النقد العربي: أسئلة الإنجاز والمغايرة

قراءة في كتاب: "آفاق نقد عربي معاصر" لسعيد يقطين وفيصل دراج

 

 

د.شرف الدين ماجدولين(*)

 

تشكل المحاورات الأدبية بصنفيها الحقيقي والتخييلي، شكلا تعبيريا وطيد الصلة بالقيم "الدرامية" وبمبدأ "الغيرية"، وسلوكا فكريا نقيضا لأهواء التعالي والانغلاق، وهو بذلك نفي للواحدية قرينة "التمركز الذاتي"، وإقرار بالتعدد والجدل، واعتراف بالآخرين. والمحورات الفكرية التي تلتئم بين دفتي كتاب وتصل بين صوتين نقديين مختلفي المرجعيات والاختيارت والانحيازات قد تبدو وطيدة الصلة بالزمن الحاضر الذي يشهد محاولات فكرية وأدبية ومذهبية حثيثة لإشاعة مفاهيم : "الحوارية" و"التسامح"، و"نقض المركزية"...، لكن نظرة متأنية إلى ذاكرة الثقافة تجعلنا لا نتمثل محاورات شهيرة كالتي جمعت "كونترغراس" بـ"بيير بورديو"، و "إدوارد سعيد" بـ"رايموند ويليامز"، وقبلهما "رولان بارت" بـ"موريس نادو"، أو حتى تلك التي جمعت في سياق مختلف بين "عبد اللطيف اللعبي" و"يمنى العيد"، وبين "الجابري" و"حسن حنفي"... إلا باعتبارها تنويعا فكريا على تراث ممتد من المناظرات الفلسفية والكلامية واللاهوتية التي حفل بها تاريخ الحضارة الإنسانية، والتي سعت دوما إلى تخييل الحقيقة العقدية و الفكرية والأخلاقية بما هي وجود ملتبس، متعددة زوايا النظر، وماهية غير مفصولة عن آليات التكييف والتلاعب البيانيين.

من هنا يمكن أن نرى في كتاب "آفاق نقد عربي معاصر"(1) لسعيد يقطين وفيصل دراج، مظهرا لتشوف الفكر النقدي إلى استبدال صيغة الخطاب التلقيني أحادي البعد، بصيغة الجدل المولد، والتطويري؛ أولا بمبناه القائم على المحاورة التي تتأسس على الاختلاف المرجعي وتنتهي إلى تركيب مفهومي، وثانيا بمحتواه الإشكالي الناهض على قراءة المسار النقدي من منطلق تاريخي /معرفي، واجتماعي /ثقافي، يصل الفرع النقدي بأصوله التكوينية في الذهنية العربية، ويشج سيرورة الخطاب بتحولات المجتمع والمعرفة والثقافة، ثم يرصد عوامل الخلل وأسباب الأزمة في مشروع "النقد العربي" بما هو نسق معرفي ومؤسسة ذهنية، وتشييد يسند بدعاماته بناء مشروع الحداثة العربية المفترضة.

يتكون الكتاب من قسمين يتضمن أولهما المباحث وثانيهما التعقيبات، وقد بنيت خطته على بحثين مستقلين الأول لسعيد يقطين والثاني لفيصل دراج، يفضيان إلى مناقشة بين الناقدين حول مجالات الرؤية والمفاهيم والاستنتاجات المحصلة لدى كل منهما. وفي البداية يقدم سعيد يقطين في مبحثه مقاربة تركيبية تتناول"علاقة النقد بالنص الأدبي" و"علاقته بمرجعيته النظرية والمفهومية" عبر مسيرة تحوله في التاريخ الحديث والمعاصر، واقفا على "الأسس والمقاصد العامة التي تتحكم في قراءة النقد العربي"، مستخلصا أهم سمات سيرورة ذلك النقد كـ: "الانقطاع " بين محطاته، وبينه وبين مسار التحول الاجتماعي والثقافي، و"التفاوت الزمني" في الاسترفاد من إنجازات النقد الغربي، ثم "الإلغاء" الذي يجعل النقد العربي يبتدئ في كل مرة من نقطة بداية جديدة قاطعا مع إنجازات السابقين في ميدانه، وهي السمات التي تفضي بسعيد يقطين عبر مضاهاتها بمقابلاتها في السياق الغربي إلى الوقوف على تجليات إجرائية محددة تفسر واقع التنابذ بين النص العربي ومنجزات ما يمكن تسميته بالنقد الجديد، التجليات التي يطغى على مختلف عيناتها بتعبير يقطين:

"هيمنة التحليلات الجزئية على النص المعين. والانتقال من نوع إلى آخر  من دون مبرر نظري أو منهجي. وغياب الاهتمام بالعديد من القضايا الأولية والأساسية في العمل الأدبي من الوعي والممارسة: مثل قضايا الأجناس الأدبية وقضايا تاريخ الأدب، وتحول الأشكال ودلالاتها. وعدم الاهتمام بالعديد من البنيات النصية والخطابية سواء في القديم أو الحديث مثل البنيات التلفظية المشتركة بين الخطابات... وعدم انفتاح النقد العربي الجديد على قضايا خطابية جديدة ويومية..." (ص 51-52).

وهي الملاحظات التي تمهد السبيل ليقطين لمحاولة استكناه السبل التي تمكن هذا النقد من التحول في وعيه وممارسته من واقع "الانقطاع" و"التوزع" والتبعية لإنجازات المرحلة العابرة إلى كيان نسقي يراكم "نوعيا" الخبرات والمعارف والإضافات النظرية والتحليلية، وهنا نصل مع الناقد إلى صلب أطروحته في الكتاب وهي ضرورة الفصل بين مفهومي النقد الأدبي والعلم الأدبي، ومن ثم الانتقال من مظاهر "الانفعال" إلى قيم"الفعل" ثم "التفاعل"، التي تبقى الإجراء المركزي في استراتيجية التحول إلى "رؤية نقدية تفاعلية" تعيد تشييد العلاقة بين الناقد وموضوعه، الذي أصبح بتعبير يقطين" جزءا من فن أعم وأشمل يقوم على التفاعل بين الفنون والوسائط ويستوعب العلامات المختلفة" (ص 72).

وبخلاف هذا التصور الذي يقترحه سعيد يقطين، بنبرة لا تخلو من تفاؤل بالمستقبل، تنهض مقاربة فيصل دراج على ربط النقد العربي بالإشكال النظري الاجتماعي الذي تكون فيه، بما هو إشكال تحديث مجتمع، وحداثة ثقافة. من هنا كان مسار تحليله منصرفا إلى بيان أصل التكون النقدي في صلته بماضيه، وفي استشرافه لأسئلة لحظته الذهنية والجمالية، الاختيار  الذي مكن دراج من التنبه إلى اقتران هذا النقد بقيم التحول الفكري وبتعبيرات التحديث التي تجسدت أدبيا في التجارب الروائية والمسرحية والقصصية المتلاحقة، ومكنته، من جانب ثان، من استيضاح جوهرية التعالق بين النقد الأدبي ومحيطه الاجتماعي والثقافي، حيث إن النقد الأدبي بحسب قوله:

" يحيل إلى ما يدعى ب: المؤسسة النقدية، من حيث هي مؤسسة لها استقلال ذاتي تتقاطع مع مؤسسات أخرى وتنفصل عنها. وهذا الاتصال والانفصال، وقوامه معرفي-ثقافي، يُعرِّف النقد ممارسةً اجتماعيةً، حتى لو قام به أفراد ورُدّ إلى نسق من الأفراد. ويعني هذا أن صعود الناقد لا ينفصل، وبالمعنى النسبي، عن صعود القارئ، بالمعنى المجتمعي، أي أن النقد، بوصفه ظاهرة اجتماعية، لا ينفصل عن مجتمعية الكتابة والقراءة في آن" (ص 78).

وهو الافتراض النظري الذي يفسر، في تحليل دراج، ضمور منطق الإنجاز في حضيرة النقد العربي بالموازاة مع إخفاق محاولات التحديث المجتمعي، باعتبار أن غياب المؤسسة النقدية مرتبط بإجهاض مشاريع مؤسسات قاعدية لازمة لأي شكل من أشكال الفكر النقدي، و يقف في طليعتها "المجتمع المدني"، الذي يكفل الحوار وحرية البحث، ويفرز من ثم البنيات التحتية الحاملة لأدوار النقد وفكره ووظائفه؛ كالجامعة ودور النشر والمجلات المتخصصة والمؤتمرات الأدبية الحقيقية، وغيرها من ركائز الاشتغال النقدي ووساط التفاعل بين الجهود الفردية والوعي الجماعي.

تلك هي الفكرة المركزية في مبحث الناقد فيصل دراج تتلوها قراءة تاريخية لأسس ووظائف وتجليات الممارسة النقدية في عمومية الخطاب التنويري، تفتتح بقراءة لكتاب روحي الخالدي: " تاريخ الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هيجو" تتغيا الوصول إلى إرهاص أولي بفكرة العلاقة الجدلية بين ارتقاء الفكر والنقد ومناخ الحرية السياسية والاجتماعية، ومرورا بكتاب قسطاكي الحمصي: "منهل الوراد في علم الانتقاد"، و"ثورة الأدب" لمحمد حسين هيكل، و"في الأدب الجاهلي" لطه حسين، ينسج دراج خيطا رفيعا بين وظائف الناقد المشتغل على الشعر والرواية والمسرحية والمقامة ومقاصد المفكر التنويري الساعي إلى تشييد وعي بأدوار مؤسسات الثقافة والمجتمع والسلطة، وهي المحاولة التي لم تفض في النهاية بحسب دراج إلى "تراكم كيفي"، وباتت سمة "القطيعة" قدر اشتغال النقد العربي على امتداد مسيرته الحديثة منتجة نصوصا نقدية بصيغة المفرد ظلت على الدوام هامشية سواء بمنظور المجتمع أو السلطة. ومن ثم فإن "عالم الأفراد المنسيين لن يكون من شأنه إلا أن ينتج عالم صحافة متقهقرة"(ص 102)، لن ينقدها تلاحق الإبدالات المنهجية المستلهمة للنظريات التاريخية (طه حسين) والنفسية /الرومانسية (العقاد، المازني) والماركسية/ الواقعية (حسين مروة، محمود أمين العالم، نبيل سليمان، رئيف خوري) والبنيوية (جابر عصفور ، محمد برادة، يمنى العيد) مع تفاوت في مراتب الفهم والتمثل والتوظيف النقدي، ودون أن تمتد جسور الجدل المعرفي المولد لمسار تطور نظري وتحليلي طبيعي. والنتيجة ستفضي بحسب دراج إلى:

"وجود نقاد أدبيين عرب دون أن تشير إلى وجود نقد أدبي عربي. شيء قريب من العناصر التي لا تدرج في بنية، أو لا تجد البنية التي تجمع وترتب عناصرها، أو لا تلتقي بالمؤسسة التي تؤمن لها التوالد والتجدد والانتظام" (ص 147).

ويقود هذا النحو من التحليل صاحبه إلى استشراف أفق لا يدعو إلى التفاؤل؛ مآل النقد فيه لا يمكن فصله عن مآل المجتمع العربي: "الذي كلما لهث وراء (التاريخ الكوني) ازدادت الفجوة بينهما"(ص 150).

تلك كانت أهم مضامين المقتربين التحليلين لواقع النقد العربي وآفاق تطوره وتناميه، كما كشف عنها الناقدان العربيان البارزان سعيد يقطين وفيصل دراج،  في محاورتهما المكتوبة. وتبقى الحصيلة المشتركة بينهما متمثلة في الإقرار  بغياب مشروع نقدي واضح المعالم ومكتمل القيمة يمكن أن يحمل نعت "نقد عربي"، وهي النتيجة التي تؤسسها منطلقات استدلالية متقاربة  في القراءتين معا متمثلة في النقاط الآتية:

1-تعدد الإبدالات المنهجية وتباينها وانزياحاتها المطردة تبعا لتحول الأصل المرجعي الغربي.

2-غياب فهم واضح للقيم النظرية ومنظور بعيد للوظائف النقدية بما يجعلها خاضعة للضرورات المرحلية، وللأهواء والاجتهادات الفردية.

3-فشل المسار النقدي في إفراز تطور طبيعي يستند إلى تراكم نوعي في المفاهيم والضوابط والقيم النقدية .

4- إخفاق المشاريع النقدية المختلفة في المزاوجة المتزنة بين جدل الخطاب النقدي مع تحولات النص الإبداعي وتحولات المجتمع بحيث تفصل الجدلية في مراحل معينة البناء النصي على مجاله الدنيوي، وترجح في مراحل أخرى المحيط الثقافي -الاجتماعي على عوالم النصوص.

5- وأخيرا عجز الجهود التحليلية والتنظيرية المتلاحقة في حقول النقد عن إفراز مؤسسة؛ سواء بالمعنى "العلمي" التخصصي كما في مصطلح يقطين أو بالمعنى المجتمعي-الثقافي كما في قصد دراج.

تنضاف إلى نقاط الالتقاء تلك تفاصيل شتى، تؤكد اقتسام الناقدين العديد من القناعات، بل اشتراكهما حتى في خطوات البرهنة؛ فلا يغيب عن فطنة القارئ في المبحثين معا هيمنة صيغة الاستقراء التاريخي، القائم على مفصلة المسار النقدي إلى مراحل، طبعتها مفاهيم تيارات أدبية حينا، ونظريات نقدية وفلسفية حينا آخر، وربط أزمة النقد في مختلف المراحل بمآزق الثقافة والمعرفة العربيتين.

وسواء في قراءة سعيد يقطين القائمة على ترتيب المقدمات والنتائج وإبرازها للنظر عبر تفصيلات متراكبة ومرقمة، أو في قراءة فيصل دراج الموسومة بالتراسل البياني، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن بعد الانتهاء من عملية القراءة هو السؤال التالي:

- ما المقصود بنقد أدبي عربي، من جهة كونه وساطة ووظيفة وإنشاء ؟ هل النقد هو الخطاب التحليلي المواكب للنص والمنجدل معه أم أن النقد هو رقابة موجبة بشكل معين ورؤية مقيِّمة ونقيضة؟ .

ما يبدو من خلال المحاورة هو تغليب الفهم الأول أي اعتبار النقد صيغة من الخطاب التحليلي الواصف المأخوذ بالهواجس والانشغالات المنهجية، وهو النقد المهيمن في الغالب الأعم والمأخوذ به في معظم القراءات التاريخية، بينما ظل المفهوم الثاني للممارسة النقدية، ولأسباب معقدة، لعل أبرزها رفضه من قبل المشهد الإبداعي، متنا هامشيا، خارج دائرة الضوء، ومن ثم خارج مجال المحاورة الراهنة. وأسترجع في هذا السياق بالذات كتابات عبد العزيز البشري ومارون عبود مطلع النهضة، التي ستجد لها امتدادات فيما بعد في  ما كتبه رشاد رشدي ونبيل راغب، ثم بعد ذلك فيما كتبه ويكتبه توفيق بكار وفاروق عبد القادر ورجاء النقاش... مع اختلاف المراتب. وهي النقود التي ظلت لصيقة بالنصوص وقيمها الجمالية، وسياقاتها الخاصة، وتحكم فيها "الذوق الذاتي"، بيد أنها كانت الأكثر تداولا وتأثيرا في جمهور المتلقين.  أي أنها شخصت في النهاية الخطاب النقدي بما هو معيار يمتلك القدرة على التحول إلى مرآة للنفس الإبداعي، كما هو، مقنعا كان أو صادما، وليس التحليل الواصف المحايد المكتفي باستنتاج القيم والمكونات النصية وتعداد المرجعيات الواقعية والتخييلية، فذلك عمل آخر، هو من صميم النقد، لكن ليس هو ما أكسبه الصفة الطباقية النقيضة.

من هنا ينبعث تساؤل ثان أكثر جوهرية، مفاده: كيف يمكن أن نقرأ الكتابات النقدية الأدبية في انفصال عن الفكر النقدي في سياق ثقافي ما؟ وهل يمكن أن نتحدث عن نقد أدبي بدون الإحالة على نقد الخطاب عموما؟.

 إذا أخذنا مفهوم الخطاب برحابته التي تجعل الأدب تنويعا من تنويعات متعددة واقعة في مدار فكر نقدي منسجم المكونات عندها لا يمكن الحديث عن "طه حسين" بدون الحديث عن "لطفي السيد" ولا عن "يمنى العيد" بدون استدعاء "ياسين الحافظ" ولا عن "سعيد يقطين" من غير استحضار "عبد الله العروي"، ولا عن "فيصل دراج" بدون التفكير في "هشام شرابي"، كما لا يمكن المجازفة بافتراض غياب التراكم بالمعنى القطعي الذي يستشف من الكتاب الحالي بمبحثيه؛ حيث يكاد يكون من باب المحال تبلور النتائج العميقة التي انتهت إليها الدراسات الأسلوبية العربية في حقول الرواية والشعر والمسرح والخطاب القرآني، بغيرما وجود لتراكم نوعي في آليات التحليل البلاغي والأسلوبي منذ "أمين الخولي" إلى "سيزا قاسم" و"نصر حامد أبو زيد" مرورا بـ"شكري عياد" و"لطفي عبد البديع" و"مصطفى ناصف"...، التراكم الآخذ في منطلق تشكله  الإنجاز البلاغي القديم، منذ "عبد القاهر  الجرجاني" وحتى "محمد عبده".

 وبناء عليه فإن فهم التواتر المكتنز بالإضافات في شتى النقود النوعية المستندة لرصيد البلاغة يجعل القارئ يستوعب أعمال بلاغيين متأخرين كحمادي صمود وسعد مصلوح بوصفها حلقة جزئية في سلسة موصولة العناصر، تنجدل داخلها ذاكرة المفهوم البلاغي المأثور بالإضافات الغربية، وفي هذه النقطة بالذات يبدو أن استنتاجات المحاورة بين دراج ويقطين لا تكاد تتوقف بالنحو المطلوب على إيقاع التطور النقدي في السياقات الخطابية النوعية، فلا نكاد نلمس تمييزا بين المسارات المتمايزة في نقد الرواية ونقد الشعر ونقد التراث ونقد المسرح ونقد السينما، وكأنما منطق النشأة والتطور  ظهر إلى الوجود وتنامى على نحو متماثل ، بينما واقع الحال يشي بخلاف ذلك، فمسارات النقدي الروائي الذي شهد طفرة في مرحلة من المراحل في المغرب لم يناظره تقدم مماثل في نقد الخطاب الشعري كما أن نقد التراث السردي الذي ظل إلى وقت متأخر هاجس أقلية من الباحثين لا يمكن مقارنة إنجازاته برصيد نقد التراث الشعري. وبخطة إحصائية صرف يمكن تعداد عشرات الأسماء في نقد المسرح في المغرب وتونس ومصر وسوريا... لا يناظرها عشر ذلك العدد في مجال نقد القصة القصيرة أو السيرة الذاتية. وهي المقارنة التي تقودنا إلى طرح سؤال مركزي بصدد منطلقات المحاورة هو:

 إلى أي حد يمكن الحديث عن نقد "عربي" بصيغة التعميم؟ بصرف النظر عن خصوصيات النسق الثقافي والمنجز الأدبي والتطور النقدي في كل قطر عربي على حدة؟.

الظاهر أنه بمتابعة بسيطة للمشهد النقدي في الأقطار العربية المختلفة يمكن وضع اليد على حجم التفاوت الحاصل بين الأصوات النقدية ونوعية الخطابات والاهتمامات، بل وحتى بصدد المصطلحات النقدية المستعملة، وأكبر دليل على رجحان هذا الافتراض، أنه لم يعد مستساغا اليوم الحديث عن ثنائية المشرق والمغرب في المجال النقدي، بعد الإضافات الهامة والعميقة لبلدان الخليج العربي سواء من خلال جيل النقاد الذي برز منذ أواخر الثمانينيات، أو باعتبار "كم" المجلات النقدية المرموقة والدوريات الأدبية المتخصصة والمؤتمرات التي ما فتئت تلتئم في البحرين و قطر و الكويت وسلطة عمان...، وغني عن البيان أن أسماء نقاد كـ: عبد الله الغذامي وسعد البازعي وسعيد السريحي وغيرهم باتت اليوم في طليعة الخطاب النقدي الحداثي، جنبا إلى جنب مع أسماء عبد الله إبراهيم ومحمد مفتاح وعبد الفتاح كيليطو وسيد بحراوي وكمال أبوديب وعبد الرحمن أيوب وعبد الحميد بورايو وسعيد يقطين وفيصل دراج التي تنتمي إلى مختلف أرجاء الخريطة العربية.

المسألة إذن تقتضي بمنطق التخصيص ذاته الذي يلح عليه سعيد يقطين في غيرما موضع من الكتاب، أن ينظر إليها من مداخل جزئية وقاعدية تمهد السبيل لعمليات التأريخ والتأويل النظري العام، وتلك المداخل، في اعتقادي، تبتدئ بالتخصيص النوعي، القائم على تصنيفات من قبيل: "نقد الشعر "، و"نقد الرواية"، و"نقد المسرح"...، ولا تنتهي بالتعيين القطري، الناهض على، تمييز: "النقد المغربي" عن "النقد المصري"، عن "النقد التونسي" عن النقد في باقي البلدان العربية التي تشهد حركة أدبية ذات سمات خاصة. وهي الخطة الكفيلة وحدها بوضعنا أمام الصورة الحقيقية لواقع النقد العربي وتستجلي أمامنا الأفاق القمينة بتطويره.

يتحدث سعيد يقطين، بكثير من البراعة والعمق الاستدلاليين في فقرة من فقرات المحاورة عن افتقاد الخطاب النقدي العربي إلى "المؤسسة العلمية" التي من شروطها نشأة ألوان من التفكير النظري والتحليلي المتخصص حول الأدب، تكفل الانتقال من النقد الأدبي إلى العلم الأدبي، حيث إن:

" النقد الأدبي لا يمكنه الاشتغال بالعديد من القضايا المتصلة بنظرية الأجناس وتاريخ الأدب، والأدب المقارن، وبانفتاح النص الأدبي على العلوم الإنسانية والاجتماعية المختلفة. كل هذه القضايا وغيرها كثير من اختصاص العالم الأدبي" (ص170).

بينما يشير فيصل دراج، بانشغال صادق، في مبحثه إلى أن المؤسسة الغائبة هي المؤسسة النقدية نفسها حيث إن العمل النقدي الموجود هو خلاصة عمل أفراد، ولا تنطبق عليه شروط العمل المؤسسي الذي يتخلق في:

"سلسلة من العلاقات الاجتماعية، تتضمن الصحف والمجلات والإذاعة ودور النشر والنشاط الأدبي الاجتماعي..." (ص 78)

وعلى ما يبدو فإن ثمة إجماعا بين الناقدين على غياب شكل من أشكال المؤسسة التي تنتظم العمل النقدي سواء سميت "علمية" كما في اصطلاح يقطين أو "نقدية" كما في تسمية دراج. غير أن المقصود في الحالتين معا لا يخلو من تجاوز لواقع الاشتغال النقدي العربي في تجلياته واختياراته المختلفة، إذ لا يعزب عن البيان أن المجال المعرفي حول الأدب الذي يدعو يقطين إلى التحول إليه لا يشكل أفقا غائبا أو هامشيا في الممارسة الراهنة للناقد العربي، كما أن الاختصاصات البحثية بما فيها تلك التي أشار إليها في النص المقتبس ليست في حاجة إلى تأسيس بعد العقود الطويلة من الممارسة الأكاديمية التي لا تخلو، في جزء منها، من الجدية والعمق المطلوبين، على امتداد الجامعات العربية، في مباحث الدراسات المقارنة، والبلاغة، وعلم اجتماع الأدب، وعلم النفس الأدبي، والأجناس الأدبية، ودراسات الأدب الشعبي، والرواية والشعر (بشقيه القديم والحديث)، والمسرح واللسانيات وتحليل الخطاب، وتحليل النص، أثمرت أعمالا نقدية لا تخلو من أصالة؛ ومؤلفات يقطين نفسه شاهدة على قوة تلك الجهود ورصانتها، جنبا إلى جنب مع أعمال سيد بحراوي وحميد الحميداني، وأمينة رشيد والطاهر لبيب في سوسيولوجيا الأدب ومصطفى سويف وعلي زيعور ويوسف ميخائيل أسعد في علم النفس الأدبي، وعبد المنعم تليمة وشربل داغر وفريد الزاهي في الدراسات الجمالية، وحسن البنا عز الدين في النظرية الشفاهية ونبيلة إبراهيم وفريال غزول في تجنيس المأثور الشفاهي...، بل إن مصطلح العلم نفسه يكاد يكون في هذا السياق وبالمعنى الذي يستفاد من كلام يقطين مرادفا للبحث الأدبي الذي يختط له مسافة مع النقد الممارس من قبل النقاد خارج الجامعة في الأوساط الصحافية والإعلامية العامة، وهو ممارسة تجد لها ذاكرة في الرصيد النظري والتحليلي في التراث العربي: فثمة الجرجاني وابن جني والقرطاجني ذوو الأعمال النظرية التي لا تفتقد إلى الحس العلمي، وثمة التنويعات النقدية التقييمية كما في أعمال الآمدي وابن قتيبة وابن رشيق، وهي الثنائية التي ستفرز، فيما بعد، في حاضرنا النقدي ثنائية مقابلة تشتمل في شقها الأول على باحثين أو علماء من قبيل: إحسان عباس ومحسن مهدي وعبد السلام المسدي، وتشتمل في شقها الثاني على نقاد من مثل: فخري صالح ومحمد جمال باروت وعبد الحميد عقار.

أما عن المؤسسة النقدية التي استند فيصل دراج على فرضية غيابها لتفسير أزمة النقد العربي فإن المعنى الذي يعطيه لها -والوارد في النص المقتبس- متمثلا في دور للنشر والإعلام والصحافة، وفضاءات للبحث العلمي، لا يفسر غيابها بل يفترض، على النقيض من ذلك، حضورها، على اعتبار توفر المجتمعات العربية على نماذج معينة لتلك المؤسسات، وهو ما أشار إليه يقطين في معرض تعقيبه (را: ص 161 وما بعدها)، كما أن تاريخ النقد العربي الحديث لا يؤكد أن الاجتهادات النقدية كانت مطبوعة دوما بالنزوع الفردي المغلق، وأكبر دليل على ذلك أن أهم تيار طبع النقد الحديث في مرحلة النهضة كان يستند إلى مؤسسة بالمعنى النظري والفكري للمفهوم، وهي مدرسة الديوان التي تناولها دراج في تحليله البارع والمفصل، والتي ستثرى، كممارسة، من خلال نشأة العديد من التوجهات النقدية الجماعية التي اشتغلت في حيز مشترك، واقتسمت المبادئ والأهداف النقدية ذاتها، كشأن "جماعة الأمناء" في جامعة القاهرة على سبيل المثال. صحيح أنها حالات استثنائية ولا ترقى إلى مستوى الظاهرة التي تسم مسار التطور، بيد أن حضورها الرمزي القوي يستدعي الوقوف. وفي هذا السياق ذاته نعتقد أن الغائب الكبير ليس هو المؤسسة العلمية أو النقدية، فمظاهرها موجودة بمعنى ما، أو على الأقل هي بصدد التكون، إنما الغائب هو المؤسسة بمعنى المشاريع النظرية والفكرية الجماعية الممتدة عبر الزمن، وهي الصورة المتحققة، في السياق الغربي، في ارتباط توجهات نقدية محددة بفضاءات مؤسسية خاصة، كارتباط  الأرسطية الجديدة في النقد بجامعة شيكاغو، ودراسات مابعد الكلونيالية بجامعة كولومبيا، ودراسات الجنوسة والكتابة النسائية بجامعة إنديانا، والدراسات االإفريقية وأدب الملونين بجامعة ييل، أو تحول فضاءات جامعية معينة إلى علامات على نوعية معينة من الدراسات الأدبية من مثل جامعتي أكسفورد و وايسمانستر اللتين ظلتا دوما قلعتين منيعتين للدراسات الكلاسيكية والنزعات الفيلولوجية واللاهوتية في دراسة الأدب. المفتقد إذن هو النسق الفكري الممتد الذي بجعل في مرحلة من المراحل كل جامعة عربية محتضنة لتوجه معين ولانحيازات خاصة مستمرة بالتراكم المفهومي والفكري والتحليلي عبر الزمن والأجيال والتجارب.

وتبقى قضية الوسائط التعبيرية والتوصيلية ومدى تأثيرها في النهوض بالخطاب النقدي، متضمنة الكثير من الإشكالات؛ وفي هذا السياق يولي سعيد يقطين أهمية كبرى لدور النص التفاعلي ولتقنية المعلوميات والبرمجيات والبلاغة الإلكترونية، بينما يسرف دراج في الاستهانة بتلك الوسائط، والحال أن خطورتها تبقى ثابتة وجلية، إنما لا تجاوز الدور الذي نهضت به الطباعة في مطلع القرن الماضي أي وظيفة الانفتاح على أكبر قدر من المتلقين، دون أن يمتد التأثير ليشكل مرتكزا جوهريا في تحول محتوى الخطاب التحليلي حول الأدب. فحين لا ينتج النقد العربي ثقافته بوصفه نسقا معرفيا وممارسة قولية، وعندما لا يصدر عن وعي بضرورته الحضارية، المستقلة عن باقي الضرورات، عندها مهما توفرت أسباب التواصل التقنية، ووسائط البرمجيات والحاسوب، فلن تعوض الأساس المعرفي والخطابي. وبتعبير آخر إذا لم ينتج الوعي النقدي (ونقصد بالوعي مجمل الخبرات الذهنية والمعرفية والإنسانية التي ترفد الإنتاج النقدي وليس مجرد الفكر الفلسفي المجرد) نسقه الافتراضي فإنه يصير مستغرقا من قبل غايات سطحية، ويمكن أن يضحى التحول إلى الاشتغال على النص التفاعلي المتعدد الأبعاد إلى مظهر هروبي من مواجهة المعضلة الأساس المتعلقة بتأسيس وتطوير نسق معرفي مستقل.. قد يكون هذا الإشكال محسوما في بيئات أنجزت ثوراتها الثقافية وأرست تقاليد راسخة لآدابها عبر قرون طويلة من الممارسة الإبداعية والنظرية كشأن الأدب الغربي، بتنويعاته المختلفة، إلا أن الأمر يحتاج بعد إلى نوع جديد من المساءلة والتقييم في بيئاتنا العربية، وإن تباينت تجاربها وإنجازاتها بالنظر إلى حجم وتاريخ ثقافتها الأدبية.

*        *        *

ويبقى أن نشير في ختام هذا المقال إلى ميزة أساسية في هذه المحاورة تنضاف إلى ذلك المجهود التحليلي الرائع، والخطاب الاستشرافي العميق للناقدين عبر مختلف فصول الكتاب وفقراته، وتتمثل في القدرة على استنبات أسئلة أصيلة ومولدة، منفتحة على المستقبل، وتجاوزها للعديد من الانشغالات النظرية الزائفة التي سيجت النقاش حول ماضي النقد وآفاقه لعقود من الزمن، من قبيل ثنائية الأصالة والمعاصرة، الهوية والتبعية، التي أسالت مدادا كثيرا دون أن تفضي إلى نتيجة تؤسس لنمط مختلف من التفكير، وبغيرما حصيلة توازي الجهد المبذول في السجال. كما أن المحاورة طبعتها نبرة تواصل هاديء برغم تباين الأهواء والنوازع والقناعات لدى الناقدين، وشكلت بحق مدخلا مثاليا لنقاش أوسع من شأنه تقييم ماضي الإنجاز النقدي العربي واستبصار آفاقه المنظورة والمحتملة.

-----------------------------

(1)- صدر عن دار الفكر، دمشق، 2005.

 

 



(*) –ناقد من المغرب