3 ـ الحداثة والأدب
أو رهانات "الحداثة "
1 . 1 . إن طرح مشكلة " الحداثة " للسؤال
والتفكير يستدعي منا وضعها في سياق مايفرضه علينا الواقع الذي نعيش فيه ،
والرهانات التي علينا أن نضعها نصب أعيننا أفقا للبحث والنظر . ننطلق أولا من
تحديد أهم هذه الرهانات ، ثم نردفها بمحاولة تشخيص أهم الملابسات التي يتصل طرحها
ب " الحداثة " ، وما نجم عن ذلك من نتائج مست الثقافة بوجه عام ، وأنماط
التفكير في بعض التجليات النصية بصورة خاصة .
أمام الثقافة العربية
رهانات شتى ، تتعدد بتعدد الرؤيات والتشخيصات ، وتتنوع بتنوع القراءات والخلفيات .
يمكن في رأيي تحديد رهانين اثنين ، واعتمادهما أساسا للتفكير في ما أنجز ، وجعلهما
ركيزة للعمل فيما ينبغي أن تكون عليه هذه الثقافة في التصور والممارسة
لتضطلع بدورها في المجتمع العربي .
هذان الرهانان هما :
1 ـ دخول العصر الإلكتروني .
2 ـ أن يكون لها موقع ، وتأثير ضمن باقي
الثقافات .
1 . 2 . يضعنا هذان الرهانان ، منذ البداية ،
أمام مجموعة من الأسئلة حول أهميتهما وضرورتهما أولا، وكيفية تحقيقهما بعد
ذلك . وقبل هذا وذاك ألا يعتبر ، كما يمكن أن يذهب البعض ، الحديث عن دخول
العصر الإلكتروني موضة من الموضات والتقليعات الجديدة التي نتهافت عليها ، ونحن
نتصيد دائما جديد التطورات التي تتحقق في الغرب ، ونضعها في الأولويات ؟ تماما كما
وقع التهافت على مايتصل ب" الحداثة " ومتعلقاتها في ثقافتنا العربية
الحديثة ؟
جوابا على هذا النوع من
الأسئلة والاعتراضات العديدة التي تضع ثقافتنا المعاصرة في جوهر مشكلة
"محاكاة " الثقافة الغربية، تارة تحت اسم "الحداثة " ، وطورا
تحت ادعاء "التغريب"كما هو شائع في السجلات والسجالات المختلفة ،
أبادر إلى تسجيل ثلاثة مرتكزات تتحدد من خلالها معالجتي للموضوع . هذه المرتكزات
الثلاثة هي :
1 . الإنتاج الثقافي في كافة أشكاله ذو بعد إنساني . وأن هذا :
2 . الإنتاج يتفاوت بتفاوت التجارب والأمم ، وأخيرا :
3 . إن هذه التجارب تتبادل التأثير والتأثر ، وهي تتفاعل مع بعضها كلما قيض
لها ذلك.
تقودنا هذه المرتكزات الثلاثة إلى استبعاد مفهوم "
المحاكاة " ، لأنه في رأيي غير دقيق في تشخيص العلاقات المتعددة التي يمكن أن
تأخذها الثقافات المختلفة فيما بينها ، من جهة ، ولأن إيحاءه القدحي في
استعمالاتنا العربية محمل بتصور جاهز ومسبق تجاه " ثقافة الآخر " ،
وبالأخص الثقافة الغربية .
إن استبعاد مفهوم " المحاكاة " يدفعنا إلى
تبني مفهوم " التفاعل " لأنه أكفأ وأدق في وصف هذه العلاقات بين
الثقافات ، حتى وإن كانت تتم في نطاق غير متكافئ ، أو تخضع لطوابع لاتسم العلاقة
بالأبعاد الضرورية لتحقيق هذا "التفاعل " ( مثل حضور الصراع بين
الثقافات ) لأسباب تاريخية أو سياسية أو اجتماعية محددة .
في الحالة التي نفضل استخدام مفهوم " التفاعل
" ، لابد لنا من البحث في أنواع هذا التفاعل، ومختلف تجلياته ، والكيفيات
التي يمارس بها في ثقافتنا لنبين هل "التفاعل" الذي نقوم به ملائم أو
غير ملائم ؟ وهل هو إيجابي ومنتج ؟ أم أن عوائق شتى تحول دون تحققه على النحو الذي
يضمن الفعالية ، ويجسد الملاءمة الضرورية لكل تفاعل جدير بهذه الصفة، وعلينا في
هذا الإطار بذل جهد فهم هذه العوائق للتغلب عليها وتجاوزها .
وفق هذا التصور في معاينة القضية أسجل أن دخول العصر
الإلكتروني رهان الثقافة العربية لأنه يتصل بتوظيف تكنولوجيا جديدة في العمل
الثقافي ، وأي تأخر في التفكير فيه، والعمل الجاد من أجل تحقيقه لا يمكن إلا
أن يضاعف من تأخرنا الثقافي ، ويجعل ثقافتنا غير مواكبة ، وغير متفاعلة مع
ما ينجز من تقنيات لاتخفى أهميتها القصوى في الحياة المعاصرة . بهذا الدخول المنتج
أرى أننا أمام أحد أهم تجليات "الحداثة " التي لم نأخذ بها على النحو
الأفضل ، وسأعود على مناقشة هذه النقطة .
إن العصر الإلكتروني تطوير وتثوير لكل ما أنجز على صعيد
إنتاج وتلقي الثقافة منذ اختراع المطبعة . وأي موقف سلبي منه، ليس موقفا من "
الحداثة " ، بل هو موقف من تطور وسائط التواصل ، والإنتاج والتلقي الثقافيين .
كما أن التأخر في دخول هذا العصر ، والإعداد الضروري له
، لأنه ليس سهلا ولا بسيطا ما يمكن أن يتوهم أصحاب الرؤيات الجاهزة إلى الأشياء هو
التأخر في أن يكون للثقافة العربية " موقع " ضمن باقي الثقافات .
أستعمل هنا مفهوم " الموقع " بمعناه التقليدي
الذي نعني به أن يكون للثقافة وجود فعلي، ومكانة متميزة وتأثير في المجتمع ، نتيجة
ماتعرفه من دينامية وحضور كمي ونوعي. كما أستعمل هذا المفهوم بمعناه الذي صار
يأخذه مع الثورة الإعلامية أي الموقع (le site) المادي الذي يحتله في شبكة
الإنترنيت ، باعتباره الوسيط الأساسي حاليا للتواصل بين الأفراد والجماعات والأمم .
1 . 3 . حين نضع هذين الرهانين نصب أعيننا ، نكون نضع " ثقافتنا
" العربية ـ الإسلامية أمام خيارين لاثالث لهما : أن تكون أو لاتكون . إن هذه
المشكلة ( الوجود أو عدمه ) حديثة بالنسبة إلى ثقافتنا ، ولقد طرحت بحدة منذ ما
يعرف بعصر النهضة ، وما تزال تفرض نفسها بإلحاح إلى الآن . ويعود السبب في ذلك إلى
كون طرح " المسألة الثقافية العربية " في العصرالحديث قد اتخذ سمات
مختلفة لما كانت عليه قبل هذه الحقبة ، وعرضتها إلى أن تعرف تحولا مس العديد من
مسلماتها وقضاياها . وما كان ذلك ليحدث لولا احتكاكها بالثقافة الغربية التي كانت
في " موقع " آخر مختلف عن الموقع الذي تعرفه الثقافة العربية :
إنها ثقافة الغالب والمستعمر من جهة ، والمتطور من جهة ثانية.
دفع الوضع الذي صارت تعرفه الثقافة العربية خلال العصر
الحديث إلى أن تطرح عليها إشكالات متعددة جديدة ، لم تطرح عليها في تاريخها بنفس
الحدة والصرامة، ووجدت نفسها أمام معادلة صعبة . تتمثل هذه المعادلة في ازدواج
التفكير العربي في الواقع بكل خصائصه وتجلياته من خلال مجموعة من الثنائيات .
يزدوج العالم ، بحسب المفهوم الأول ، وفي مختلف
تجلياته ، إلى حركتين متناقضتين : ترتبط أولاهما بحركة التاريخ ، وتدعو إلى
التغيير . بينما تسعى الثانية إلى الحفاظ على الواقع كما هو ، بل إنها ترمي إلى
تكريسه ، ومعاكسة أي تحول ممكن أو محتمل . وتوسم كل من الحركتين اتباعا بأنها
إما تقدمية أو رجعية . وبحسب المفهوم الثاني ، تتمفصل الأشياء في مختلف ظواهرها
إما إلى التقليد أو اتباع الأصول ، أو الخروج على المتداوَل والسائد ..هذان
التمفصلان يُذكِّراننا بازدواج سابق هيمن خلال ما يعرف ب"عصر النهضة "
وامتدَّ إلى أواسط القرن العشرين ، وظل يتخذ تلوينات وشيات متعددة بحسب الاستعمال
، وإن كان في الأغلب يجد صورته الاختزالية المثلى في ثنائية : الأصالة والمعاصرة
.
إن التمفصلات التي بمقتضاها ننظر في ظواهرعالمنا
العربي ، كما نلاحظ ، ومنذ عصر"النهضة"، ظلت على صعيد التفكير (
المقولات التي انطلاقا منها نشخِّص واقعنا ) ، تستند دائما إلى ثنائيات مقولية
ضدية ، حيث يُحدَّد الشيء بما ليس عليه نقيضه . تغري الثنائيات بأنها مسعفة في
الكشف عن "التناقض" ، وتشخيص الظواهر . لكن الثنائيات إذا لم نحسن
استثمارها في التحليل تتحول إلى أدوات بسيطة للاختزال ، ولا تمكننا من معرفة
الظواهرفي واقعها الحقيقي. لذلك تغدو هذه الثنائيات طريقة جاهزة لتبرير المسبق
والقبلي من التصورات والاصطفافات والرؤيات . ولا يمكن بحال ، وحسب طريقة الاستعمال
هاته، أن تغدو مقولات للتحليل ، أو مفاهيم للرصد والوصف . يبدو لنا ذلك
بجلاء ، عندما نتأمل الثنائيات التي وقفنا عندها: إنها واحدة من حيث الجوهر ، حتى
وإن اتخذت لبوسات متعددة بتعدد الحقب التي طرحت فيها . وإذا أردنا إجراء تحقيب
لفترات توظيف هذه التمفصلات على صعيد الأدب أو الفن منذ عصر" النهضة "
إلى الآن ، لوجدنا أنفسنا أمام الإبدالات الآتية:
1 . حقبة البعث أو
التأسيس : وتميزت على الصعيد الأدبي والفني باتخاذ النص العربي
القديم نموذجا .
2 . حقبة
الواقعية : وفيها تم التركيز على المحتوى الفكري للنص ، كما تم الإلحاح على
"المدلول " الاجتماعي والسياسي للعمل الفني .
3 . حقبة ثورة
الشكل : وتركز فيها الاهتمام على التمرد على مختلف القواعد ، ووقع الانشداد
إلى المغامرة الشكلية .
2 . 2 . لقد توالت هذه الحقب ، وتداخلت ،
واتخذت كل واحدة منها عنوان حقبة من التفكير والعمل والإنتاج . كما أنها تميزت
بمفهوم ـ إبدال للتعبير عن مختلف ممارساتها وأشكال تجلياتها . ووجدت في التعبير
الفني في مختلف ، أجناسه و أنواعه الصور الملائمة للتبلور والتجسيد. ويمكننا أن
نعثر على ذلك مما يلي :
1 ـ الإحياء : ويبرز لنا من خلال الرغبة في
مواجهة التردي الذي ظل متواصلا منذ الحقبة السالفة والتي امتدت عصورا طويلة، وهي ما
تنعت تسرعا ب "عصر الانحطاط " .
2 ـ الإيديولوجيا : ولقد شاع هذا الاستعمال في
ظل هيمنة الدعوة إلى مواجهة مقومات التخلف ، والتبعية ، والتجزئة .
3 ـ الحداثة : التي جاءت رد فعل ضد مختلف السلط
السائدة ، بما فيها سلطة الإيديولوجيا.
لقد توالت هذه الإبدالات ، وتزامنت في حقب
متواصلة ، وتداخلت ، وحاول كل واحد منها أن يبسط نفوذه ، وهيمنته .كما أن كل واحد
منها ، باعتباره مفهوما "جامعا"، ظل يتضمن سلسلة من المفاهيم
الفرعية المتضافرة لتشكيل رؤية محددة للواقع والتاريخ. وعندما نضع كل حقبة في سياق
التحولات الكبرى العالمية والدولية ، نجد الحقبة الثانية والثالثة تختلفان عن
الأولى ، لأنهما تحققتا معا بعد الحرب العالمية الثانية وما واكبها من
تحولات عميقة كان لها تأثيرها البالغ على الصعيد العالمي ، وعرفت امتدادت على
المستوى العربي . غير أننا إذا كنا نعاين أن الحقبة الثانية اتصلت اتصالا وثيقا
بالحركة الاجتماعية ، وبالمناخ السياسي الذي هيمن على نحو خاص بعد هزيمة حزيران ،
ومن هنا كانت الإيديولوجيا عنوان حقبة من التفاعل مع متطلبات ومستلزمات الصراع ،
نجد مفهوم الحداثة يتشكل في حقبة تراجع فيها المضمون الاجتماعي للصراع ، وتقلص
المد التحرري بالقياس إلى ماكان عليه الأمر في الحقبة السابقة ، وإن كان قد اتخذ
أبعادا مغايرة مع ظهور ما يسمى بالحركات " الأصولية " الديني.
لكن هذا الاختلاف النوعي بين الحقبتين ، يجعلنا ننظر في المفهومين اللذين نختزل من
خلالهما الحقبتين معا على الصعيد الأدبي والفكري ، على أنهما وليدا تفاعل ثقافي مع
الغرب أكثر منهما استجابة لمتطلبات الواقع الفعلي الذي كان يفصَّل على قدِّ
ما تحمله الأفكار ، وما تنشده الطموحات . يظهر لنا هذا بجلاء في الطرائق التي كان
يتم التعامل من خلالها مع مختلف المفاهيم ـ الإبدالات التي كان يتم اللجوءإليها
لتشخيص الظواهر أوتفسيرها و تقويمها .
لهذا الاعتبار أرى أن المفهومين ( الإيديولوجيا ـ
الحداثة ) ظلا مفهومين ملتبسين في الوعي والممارسة لأنهما يرتكزان بالأساس على أبعاد موقفية وسجالية ، سياسية أو ثقافية،
وليس على قاعدة اجتماعية أوحضارية حقيقية ، رغم كونهما ، وخاصة المفهوم الأول ، يستمدان وجودهما من ضرورات ومتطلبات الواقع اليومي. إن المفهوم
الملتبس في رأيي، ييبرز في كونه لا
يقدم لنا رؤية علمية عن الواقع أو عن العالم ، ولكنه فقط ، يقدم لنا تصوراتأو رغبات، لصور ذهنية عن العالم أو الواقع .
وهذه الرغبات قابلة للتغير بتبدل التصورات المشكلة عنه . ولهذه الاعتبارات أيضا
، لم أستعمل " الحداثة " في مختلف كتاباتي، وحتى عندما أوظفها الآن
أضعها بين مزدوجتين ، وسأظل أفعل ريثما أحدد الطريقة التي من خلالها أعين دلالتها
الملائمة ، واستعمالها المناسب .
3 ـ الحداثة
والأدب أو رهانات "الحداثة ":
سنحاول هنا الانطلاق من " الأدب " باعتباره خطابا وإنجازا
نصيا ، من جهة ماينسب إليه من" حداثة " لتشخيص بعض جوانب اللبس التي
تتصل بهذا النوع من المفاهيم . وما يمكن أن يكون له من تأثير على خصوبة التجربة وخصوصيتها
، حينما نحملِّها ببعض الإضافات التي لا نعمل على تدقيقها أو تمحيصها .
من " الحداثة في الشعر " (1978) ليوسف الخال
إلى " أزمة الحداثة في الشعر العربي" (1993 ) لأحمد المعداوي ، نجد
أنفسنا أمام عناوين كثيرة لمقالات وكتب بالعربية تسوِّد أنهار العالم عن الحداثة
وما يدور في فلكها. فهناك المتحمس لها حتى النخاع، وهناك المتهجم عليها حد الثمالة
. يراها البعض نقيضا للإيديولوجيا ، ويعتبرها الآخر نقيضا للتراث . يُنظر إليها
تارة على أنها تجديد ، وتعامل طورا بصفتها انتهاكا لحرمة اللغة والمقدس والمتعارف
عليه . وتتعدد الرؤيات ، وتلتبس ، إلى حد أن قراءة متأنية ، وتتبعا دقيقا لمختلف
الكتابات والأدبيات بشأنها يكشف لنا أنها دال واحد لمدلولات متعددة ، ومتباينة
ومتباعدة . وأن بعدها "الجامع" يكمن في مناقضتها للمفهوم ـ الإبدال
السابق، بصورة كلية وعامة . وإلا فإننا حتى عندما نتمعن ، نجد حدودها مع غيرها من
مناقضاتها لا تختلف عنها كثيرا من حيث الجوهر . وذلك ما يمكننا الوقوف عليه من
خلال التساؤل عن علاقة الحداثة بالشعر والسرد والفكر الأدبي .
3 .1. سؤال الحداثة
والشعر :
ظل الشعر العربي الحديث يتطور باطراد منذ ما عرف بحركة
بالإحياء . وأعطته الحركة الرومانسية نفسا جديدا للانطلاق خارج الموضوعات المكرورة
، وفتحت أمامه إمكانات خوض مغامرة الشكل التي أعطت نتائج جديدة في أواخر
الأربعينيات . هذه المغامرة الفنية المستمرة كانت تبحث لها أبدا عن مسوغ فكري
وإيديولوجي يدعمها ، وخلفية "فلسفية" تسندها . وكانت تجدها دائما في ما
يمور به المجتمع العربي من أفكار وتيارات طليعية، وخاصة بين الحربين . هكذا نجد
أشهر الشعراء العرب ارتبطوا بصورة أو بأخرى بالحركات الاجتماعية الطليعية والمعارضة
. ويظهر لنا هذا بجلاء في كون الشعراء الذين ظلوا يسيرون على النهج التقليدي هم
بشكل عام يدورون في الفلك النقيض . ومن هنا اكتسى الاختلاف بين التجربتين طابعا
خلافيا بين اتجاهين : واحد يسعى إلى الخروج على السائد والتمرد عليه ، وآخر يدافع
على ما هو واقع . هذا الاختلاف يتحقق على الصعيدين الفني والمضموني على حد سواء .
لكن التطور الذي سار فيه الشعر " الطليعي "
العربي وهو يواصل خروجه على المتعارف عليه ظل يتحقق بوتيرة سريعة وجدت كامل
أبعادها في ما صار يعرف ب "قصيدة النثر " . وكان أن تنوعت التجارب ،
وتعددت بتعدد الأقطار والتجارب والأجيال . وصارت " الحداثة " العنوان
الشامل للحركة الشعرية العامة رغم ما بين ممثليها من اختلافات وتباينات في فهم
" الحداثة " أو ترجمتها على الصعيد الإبداعي . فكان أن ضاعت الحدود بين
مايميز تجربة عن أخرى ، وصار بعض التجارب عبئا على الآخر .ونتج عن هذا الوضع أن
أضحت" الحداثة " عنوان "التجربة المطلقة " التي يكفي أن ينتسب
إليها الشاعر ليكون " حداثيا " .
عندما نتأمل هذه التجربة الشعرية الحداثية نجدها ظلت
على صعيد الإبداع تبرز من خلال إنتاجات شعرية لاحصر لها لأجيال شعرية متعددة تظهر
بين الفينة والأخرى . لكن هذه التجربة بعيدا عن أي مصادرة نقدية متسرعة كيفما كانت
دواعيها ، لم تسندها خلفية أدبية ونظرية وفكرية محددة . وهنا مكمن ضعفها ، وعجزها
عن التطور والتبلور في اتجاهات وتيارات ، يختلف بعضها عن بعض .
إن التجارب الحقيقية على الصعيد الإبداعي لا يمكنها أن
تتأسس إلا على قاعدة الاختلاف ، ولا يمكنها أن تنبني فقط على " الجامع "
الإسمي العام ، حتى وإن كان "الحداثة " . كما أن الجامع الإسمي حين لا
يتشكل على خلفية نظرية أدبية واجتماعية دقيقة ، لايمكنه إلا أن يكون مدعاة للالتباس
وعدم الوضوح سواء على صعيد التجربة أو القصد الإبداعي . وهذا هو ما طارئ في واقعنا
الحالي .
ليست " الحداثة
" فيما أتصور على الصعيد الإبداعي " شعارا " يرفع في وجه التقليد ،
ولكنها رؤية للإبداع والمجتمع . وتستدعي الرؤية دقة الفهم وعمق التجربة مع قدرة
فائقة على ترجمتها على صعيد الإبداع والنقد . أما السائد عندنا فهو التلويح
ب" الشعار " ، والاكتفاء به لتجسيد " الحداثة " أو ادعاء
تبنيها .
يتأسس الشعار ، أي شعار،
على المبادئ العامة والأفكار ذات الطبيعة السجالية . لذلك فبدل ترك المسافة للنص
للبرهنة عن " حداثته " وقدرته على الإقناع الفني والاجتماعي ، يبقى
السجال سيد الموقف . وعندما يتم تجاوز الشعار ، يأتي " البيان "
، وهو وجه منظم من أوجه السجال ، أو الدفاع عن " التصور " الذي
يتبناه أصحاب "البيانات " . لامراء في أن إصدار البيان عند جماعة
ما له قيمته الخاصة تاريخيا وفنيا . ويزخر الأدب الحديث في الغرب بالعديد من
البيانات التي صار لها بعد نقدي وحضور متميز ، ويكفي في الإطار الإشارة إلى بيانات
أندري بروطون حول السوريالية . لكن الوقوف على إصدار البيان لايكفي لبلورة التصور
الفني الجديد ما لم تدعمه خطوات أخرى قابلة للتطور والتبلور على الصعيدين النقدي
والتحليلي . وهذا ما كان ينقص "الحداثة " العربية في مستوى الشعر . لقد
ظلت المبادئ العامة ( ذات الطبيعة السجالية ) عنوان حقبة طويلة من الحديث عن
الحداثة وباسمها . لكن بالمقابل ، وهنا مكمن المفارقة ، نجد أنفسنا على صعيد
الإبداع الشعري أمام تجارب إبداعية متميزة ، لكن على مستوى النقد الشعري الذي واكب
هذه التجربة نجد عجزا صريحا عن مواكبة مختلف التجليات ، والوقوف على أبرز ملامحها
ومميزاتها ، ومواطن الخلل أو القوة فيها . وكان لاختلاط الأصوات وتداخلها دوره في
شيوع المصادرات والأحكام عن هذا " الشعر " وعن خصوصيته حتى بين من كانوا
أشد المتحمسين له ، والمستميتين في الدفاع عن " حداثته ".
3 . 2 . بصدد السرد والحداثة :
كل ما أثير
بصدد الحداثة في الشعر ، لم يتحقق في السرد . يقتحم الروائيون مجالات متعددة
للإبداع ، ويخوض نقاد الرواية في جديد القضايا النظرية والإبداعية السردية بجرأة
ومغامرة لاتخلو من مشاكل . لكن السجال حول الحداثة وملابساتها لم يكن يعني
المشتغلين بالسرد بوجه عام . تم الاصطلاح على " الحساسية الجديدة " في
المشرق العربي، وخاصة في مصر لنعت التجربة الروائية العربية الجديدة التي ظهرت في
أواخر الستينيات وفي المغرب العربي شاع مفهوم " التجريب " لوصف التجربة
نفسها ، وفي الآونة الأخيرة صار البعض يستعمل يوظف مفهوم الحداثة في الرواية
والنقد الروائي ، ولكن باحتشام شديد .
إن مفهومي
" التجريب " و"الحساسية الجديدة " ينطلقان من خصائص فنية
وبنيوية قابلة للتجسيد من خلال النص " الجديد " بمقارنته بالتجربة
الروائية " الواقعية " ، وليس من دعوى فنية واجتماعية لها مواصفاتها
وقضاياها . ولكونهما يجسدان هذه الخصائص كانت لهما معا كفاية في رصد التجربة ،
والوقوف على أهم ملامحها ، والكشف عن أبعادها الاجتماعية والفنية .
لقد أدى
اختلاف تاريخ السرد العربي الحديث عن نظيره الشعري إلى أن تؤسس الرواية تقاليدها
ومحاور نقاشها وإشكالاتها خارج السائد ، عكس الشعر الذي ظل السجال بصدده جزءا من
إشكالات الأمة العربية في العصر الحديث . ومرد هذا الأمر إلى أن الشعر ظل أبدا
جزءا محوريا من الذاكرة الثقافية والتاريخية للمجتمع . وأي نقاش بصدد تطوره أو
صيرورته يرتبط ارتباطا وثيقا بالسجال الدائر حول " الأنا "
و"الآخر"، ومختلف القضايا التي بقيت تشغل بال المفكرين والباحثين .
ولذلك وقع التمايز بين التجربة "التقليدية " و" الحداثية " ،
باعتبار الأولى تمثل " الأصالة " ، والثانية " التغريب " .
أما الرواية
فقد كان لنشأتها الحديثة أثره في جعلها منذ البداية متصلة ب" الحداثة "
. وهذا ما جعل الروائيين يتخذون لهم مسارا جديدا ومختلفا في الحوار حول "
الحداثة " ومتعلقاتها . لقد ظل تاريخ الرواية العربية منذ بدايات القرن إلى
الآن يتشكل في نطاق تاريخ الرواية الغربية حيث الأصول تتمثل في " الرواية
الواقعية ". وكل التطورات التي جاءت لتخرج بها من " اللارواية " أو
الرواية الجديدة إلى "الميتارواية" تتخذ مظهر الرواية "الحداثية
" .
إن "
الحداثة " حين ترتبط بالسرد يجعلها ذلك تتخذ طابعا بنيويا يتشكل داخل نطاق
تطور قواعد السرد الداخلية . أما في الشعر فإن الطابع الواضح كان " وظيفيا
" للاعتبارات التي أتينا على ذكر بعض منها . ويبدو هذا البعد الوظيفي جليا في
كون الشعراء ونقاد الشعر غير قادرين على بلورة القيم الفنية التي تجسدها التجربة
" الحداثية " وتجسيدها على النحو الأمثل . ولذلك كان السجال هو المهيمن
في الخطاب النقدي الشعري المؤازر ل" الحداثة الشعرية " .
هذا التمايز
بين الشعر والسرد في تاريخ العرب الحديث يبرز بجلاء في كون الشعر العربي منذ أواخر
الأربعينيات جاء ليحدث " هوة " بينه والشعر التقليدي الضارب في التاريخ
على مستوى الإيقاع والموضوع بصورة خاصة . ومع التطور ، وخاصة في أواخر الستينيات
وأواسط السبعينيات ( مع تطور قصيدة النثر ) لم تزدد الهوة إلا اتساعا وعمقا .
وكانت هذه الهوة ترسم باسم " الحداثة " . وما تقدمه لنا نظريات الأجناس
بصورة عامة في هذا النطاق هو أن " خرق " قواعد النوع أو الجنس القديمة ،
لا يمكن أن يتم على النحو الأوفى إلا ب" خلق " قواعد جديدة . لكن
المشكلة تبرز في كون هذه الهوة لم ترفدها " نظرية " ملائمة على صعيد
" الإيقاع " من جهة ، وعلى صعيد " نظرية الأنواع الشعرية " من
جهة أخرى . ولم يؤد هذا الغياب إلا إلى الاضطراب الذي يذهب البعض إلى نعته ب
" أزمة الحداثة " ( أحمد المعداوي مثال واضح ) .
يختلف الأمر مع
الرواية العربية الجديدة . لقد وضعت هوتها مع " الرواية الواقعية " .
ومنذ أواخر الستينيات حيث صار الشعر يعمق " قطيعته " مع التاريخ الشعري
العربي ، راحت التجربة الروائية العربية تسلك طرائق متعددة في " التجريب
" . لقد توجهت تجارب منها إلى الأنواع السردية العربية القديمة ، وبدأت
تتفاعل معها ، وتستعير تقنياتها ، وتوظفها بطريقة جديدة، كما ذهبت تجارب أخرى نحو
جديد الروايات الغربية ، وتفاعلت معها وهي تسعى إلى " تأسيس" قواعد
جديدة في الكتابة .
بهذا المسار
الذي اختطته الرواية لنفسها ، سار التجريب والتأصيل جنبا إلى جنب في التجربة
الروائية العربية الجديدة . وهما معا كانا يضعان الرواية العربية في قلب "
الحداثة "، وما بعدها كما نجد ذلك في الغرب . ولهذا نجد من يرفض الرواية جملة
وتفصيلا ، ويرى أنها نتاج "غربي " يحاكي من خلاله الكتاب العرب نظراءهم
في الغرب؟
وكما خلق
الشعر لنفسه وضعا متأزما مع القراءة ، انتهت الرواية المغالية في التجريب رغم
الاختلاف ، إلى الوضع نفسه مع القارئ . فهل يمكننا مناقشة " الحداثة "
داخل النص دون ربطها بالقارئ ؟ أي هل يمكن ممارسة " الحداثة " كتصور
وأفق للإبداع والتفكير دون ربطها بالمجتمع ؟ إن هذا واحد من بين رهانات عديدة
ل" الحداثة " التي أفضل أن أستعمل بدلها مفهوم " التجديد " ،
ونحن نتحدث عن النص الأدبي ، أوالفكر الأدبي . إن التجديد يظل أبدا مرتبطا بتطور
البنيات والقواعد ، وما خلاه مما يتصل بالآفاق الفكرية للتجربة ( الحداثة مثلا )
فلا يمكنه إلا أن يدخل في نطاق العلاقة التي تتحقق من داخل الرؤية التجديدية للنص
، وليس من خارجها . وحين يتحقق ذلك من خارج التجربة ، يدخل باب السجال الذي يضر
بالتجربة النصية أكثر مما يخدمها مهما كانت وجاهته أو أهميته .
4 . 1 . تظل المفاهيم الملتبسة
والمتعددة الدلالات تثير السجال الذي ينطلق كل فيه من تصوره للأشياء ، ورؤيته
للعالم . هكذا يرى البعض " الحداثة " رديفا للدعوة إلى الغرب ، ويراها
البعض الآخر منطلقا لتحديث المجتمع والفكر . وفي كل الحالات يظل الالتباس واردا في
كل الأطروحات لأنها تبقى بمنأى عن الانطلاق من الشروط التي يحددها الواقع .
يعرف الواقع
العربي في العصر الحديث نمطا ملتبسا وشديد التعقيد ، وذلك من خلال تعايش أنماط من
الحياة مختلفة الوجوه ومتعددتها . إنه منذ احتكاكه بالغرب في العصر الحديث وهو
يعيش هذا النمط المتعدد من الوجود ، فالغرب حاضر في الحياة اليومية بصور وأشكال
شتى .كما أن أنماطا من الحياة ذات الجذور التاريخية ما تزال ممتدة في الحاضر .
ولذلك نجد هذا التجاذب والتنابذ بين القيم وأشكال التفكير من جهة ، وبين
التاريخ والعصر من جهة ثانية ، وهو ما لا يمكن حسمه بالأفكار ، أو بالسجال حول
المفاهيم .
4 . 2 . أدى هذا الوضع إلى أننا
على الصعيد الواقعي والاجتماعي نجد أنفسنا أمام مايمكن أن نسميه ب" الحداثة
المتفاوتة " . فالعلاقة مع الغرب مبنية بصورة عامة ، على أساس الاستهلاك حيث
يتم استيراد آخر منتجاته ، وهي متجلية على المستويات كافة ، ونقبل بها دون استفهام
أو سؤال . لكن حين يتعلق الأمر بالفكر والأدب يتم نعت العلاقات مع الآخر بشتى
النعوت المزرية ( مثل المحاكاة واستيراد النظريات ،،، ) . فكيف يمكن حسم هذه
المفارقة ؟ وتجاوزها لوضع المفاهيم التي نستعملها لتكون ملائمة للوصف والتفسير.
إن الجواب
عن هذا السؤال يضعنا أمام الرهانات التي صدرنا بها هذه الدراسة . ويتمثل في أن
الوعي بشروط ونمط الحياة المتوخاة لايمكن أن يوجد بمنأى عن العصر الذي نعيش فيه .
إن العلاقة مع الغرب لاتتأسس على الرفض أو القبول ، ويمكن قول الشيء عن علاقتنا
بالتراث .
4 . 3 . لا يمكننا بدون التفاعل
الحقيقي المؤسس على فهم ضرورات العصر الانتقال على وضع آخر يؤهلنا للتطور . ومدخل
هذا الانتقال يكمن في استيعاب ما يزخر به العصر الاستيعاب الحقيقي ، والعمل على
توظيفه التوظيف الملائم . ومن هنا وضعنا دخول العصر الإلكتروني مسلكا لذلك .
إنه يفرض علينا الانتقال من إنتاج الخطاب الملتبس إلى العمل الجاد والضروري من أجل
احتلال موقع ضمن العصر. أما السجال حول قضايا العلاقات مع الآخر أو الذات ، فإنه
لا يمكن ، مهما كانت وجاهة الخطابات أو درجة إقناعها ، إلا أن تضعنا في موقف
المتفرج أمام التحولات الكبرى من حولنا . إن تجديد النص الأدبي تجديد لرؤية فنية
حيال المجتمع . وبذلك يوضع " التجديد " في خضم التطور الذي يقع على صعيد
التحولات الاجتماعية والفكرية للمجتمع .لكن التجديد الفني الذي يظل بعيدا عن إدراك
طبيعة التحول الذي يعرفه المجتمع ، فإنه مهما كان الشعار الذي يرفع ، لايرقى إلى
أن ينتج العمل الفني الذي يجيب عن أسئلة المرحلة ، ويصعد هموم المجتمع بطريقة فنية
مناسبة .كما أن التجديد الفني غير المؤسس على تصور نظري ونقدي واضح يعضده ، فإنه
يظل عبارة عن نزعات مثقفية لاتستند إلى ضرورات الواقع الذي تتبلور فيه هذه التجارب
.
يجعلنا التفاعل
نتجاوز الثنائيات الضدية ذات الطبيعة السجالية التي لاتعمل إلا على تعميق الهوة
بين المتساجلين ، وهم يخوضون حروبا ويتوهمون مجتمعين أنهم فاتحون . في حين أنهم في
واقع الأمر ملهيون عن التوجه إلى المشاكل الحقيقية والجوهرية ، وهي تتصل مجتمعة
بواقع المجتمع الذي يعرف تطورا متفاوتا ، وغير منسجم . كما أن التفاعل الإيجابي مع
التراث ، ومع الغرب ، بلا عقد ، ولا رؤيات مسبقة ، يمدنا بإمكانات الانتقال إلى
ممارسة الإبداع الحقيقي ، وعلى كافة المستويات الفكرية والفنية جميعا . ولا يمكن
لهذا النمط من " الإبداع " إلا أن يكون تجديدا ، أي مواكبا للعصر ،
وفاعلا فيه لأنه وليد مايعتمل فيه من مشاكل ، وما يزخر به من إشكالات.