بنية
الخطاب ودلالتها في رواية :"القبر المجهول أو الأصول " لأحمد ولد عبد القادر
مساهمة في الكشف
عن خصوصية السرد الموريتاني
1 . تتطور الدراسات السردية
العربية باطراد . و تظهر بين الفينة والأخرى إسهامات تسلك الطريق نفسه
، و تتفاعل مع المنجزات السابقة حوارا وإغناء . هذا الوضع لا يمكن إلا أن يدفع في
اتجاه تأكيد أن التراكم مهم جدا في هذا المضمار . و لا يمكن في نطاق الوضع
العربي الحالي إلا تثمين هذا المنحى من الاهتمام و الدراسة وتشجيعه . واتخاذ
الموقف السلبي من هذه التجارب ، وكيفما كانت االذرائع ، لا يمكنه إلا أن
يكون ضد مجرى التحول الذي يعرفه مسار البحث السردي العربي . ولا يمكن أن يكون مآل
هذا الموقف في النهاية إلا الفشل الذريع لأن مايتحقق باستمرار يوحي إلى أن هناك
إصرارا على الاستمرار ، وبذل المزيد من الجهد والعطاء.
1 . 1 . لقد أتيح لي
في الآونة الأخيرة ( 1) أن أطلع على أعمال عربية تؤكد ما أومأت إليه
أعلاه . تشير هذه الأعمال إلى أن هذه الإسهامات لا تتوقف على بلدان عربية
عريقة في مجال الإبداع السردي ( مصر ، سوريا ، العراق . . . ) و لا
تقتصر على الاهتمام بالبحث فيه و التنظير له ( المغرب
، تونس ، مصر . . . ) ، لأنها صارت تأتينا من بلاد عربية لانعرف
، لأسباب تاريخية واجتماعية ، أشياء ذات بال عن إبداعها السردي ، وانشغالات
باحثيها و دارسيها بالقضايا السردية مثل اليمن ، وليبيا ، وموريتانيا
. . .
1 .
2 . إن الإنصات إلى هذه التجارب ، سواء على المستوى الإبداعي أو النقدي ،
ضروري لتطوير فكرنا الأدبي عامة والسردي خاصة ، نظرا لما يمكن أن تزخر به التجارب
المختلفة من غنى وتنوع يساهم في إثراء الكل الذي تنتمي إليه . وأي تعال أو
إحساس بالتفوق في هذا المجال ، ومهما كانت أسبابه أو مبرراته ، لا يمكنه إلا أن
يوازي الموقف السلبي من الدراسات السردية الجديدة ، لأنه ضد التحول ،
والتطور ، اللذين نعدهما رهان الإنسان العربي الحديث.
2 . نعرف في عالمنا العربي
ظاهرتين لا يمكن إلا أن ننعتهما بالسلبية . هذان الموقفان هما :
2 . 1 . الموقف السلبي من الجديد
فقط لأنه جديد ، وإن كانت تقدم تبريرات لا وجاهة لها . وإلى الآن ما يزال
هذا الموقف يبدو بأشكال متعددة في الكتب والجرائد ضد الاتجاهات النقدية العربي
الجديدة ، بذريعة » انتمائها « أو » ا ستلهامها« أو
محاكاتها للنظريات الغربية.
2 .
2 . التمييز بين مكونات العالم العربي ، والمفاضلة بينها : فهناك من جهة المشرق
أولا ، والمغرب ثانيا . وهناك من جهة أخرى داخل القسمة نفسها ، مشرق مركز ( مصر ،
الشام ، العراق… ) ، ومشرق هامش (اليمن ، عُمان …) ، ومغرب مركز ( المغرب ،
الجزائر ، تونس ) ومغرب هامش (ليبيا ، موريتانيا ) . هذا التمييز بنوعيه ، وذاك
الموقف السلبي من الجديد ينبنيان على مواقف جاهزة ومسبقة سلفا . ومن نتائجها على
المستوى الفكري والثقافي ممارسة السجال مع الأفكار الجديدة بدل قراءتها ومحاورتها
، من جهة ، وممارسة التهميش وعدم الاهتمام بكل ما ينتج خارج " المركز "
.
هذان الموقفان ، لايمكنهما إلا أن يساهما في عرقلة أي تطور منشود ، كما أنهما لا
يمكن إلا أن يشوشا على أي انفتاح إيجابي على مختلف العطاءات والاجتهادات العربية
مهما كان فضاء انتمائها . لكن الاقتناع بجدوى الانفتاح على فكر الآخر والاستفادة
منه ، والانفتاح على مختلف الاجتهادات العربية في مختلف البلاد العربية فموجود
كذلك لدى فئات واسعة من المثقفين والناشرين . وهؤلاء هم الرهان الأساس لتجاوز كل
مثبطات التطور ومعوقات التقدم…
3 . تأتي أهمية عمل الباحث محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم
حول » بنية الخطاب ودلالتها في رواية "القبر المجهول أو
الأصول " لأحمد ولد عبد القادر ( مساهمة في الكشف عن خصوصية السرد الموريتاني
) « . لتصب في مجرى التطور الذي بدأت تحققه
الدراسات السردية العربية من جهة ، ولتبرز من جهة ثانية أن هذه المساهمة تأتي من
باحث من موريطانيا . ومعنى ذلك بعبارة أخرى أكثر ابتعادا عن المساجلة ، وأكثر
انفتاحا على المستقبل ، أن السرديات تتطور في دراساتنا الأدبية ، وأن ما اعتبر
أطراف العالم العربي صارت له إسهاماته في هذا المضمار . ولا يمكن والحال هذه إلا
التأكيد على حيوية هذا المسار الجديد الذي لم يتحقق في أي حقبة من تاريخنا العربي
الحديث .
3 . 1 . إن لهذا الكتاب قيمة خاصة في الدراسات السردية العربية الحديثة .
وتبرز هذه القيمة من خلال مايلي :
3 . 1 . 1 . إنه طليعي في مجاله ، لأنه يقدم أرضية تركيبية وتأسيسية للأدب
العربي في موريطانيا بصفة عامة ، وللسرد بصورة خاصة . يؤطر الباحث هذا الأدب في
النطاق الاجتماعي والثقافي للمجتمع الموريطاني الحديث ، ويضعه في إطار تحولات
المجتمع والأدب العربيين . وبذلك يثبت الروابط المتينة التي تصل بين مختلف مكونات
العالم العربي . وهذه الأرضية بقدر ما تقدم معرفة ، وتفيد غير المطلع ، وغير
المواكب لما يمور في هذه الرقعة من عالمنا العربي ، تساعد القارئ العربي في
موريطانيا على تشكيل تصور متكامل ، وتدفعه إلى الإسهام في هذه التجربة حوارا
ونقاشا لا يمكن إلا أن يثمر على المستوى المتوسط و البعيد .
3 . 1 . 2 . لايقف هذا العمل عند حدود تقديم صورة تركيبية لواقع الأدب
الحديث في موريطانيا ، ولكنه أيضا يقدم معرفة ببعض ما يتميز به السرد العربي في
موريطانيا من أنواع ( مثل الأقفاف والبراوة … ) ظلت مجهولة لدى القاريء العربي
ومقصاة من دائرة الاهتمام من لدن الباحث الموريطاني . وأعتبر شخصيا أن من
أهم حسنات الاهتمام بالسرد في أدبنا العربي الحديث من وجهة نظر جديدة ، تبرز في
تنبيهنا إلى العديد من الأشكال والأنواع السردية والأدبية التي يحفل بها أدبنا
قديما ، والتي لم نلتفت إليها تحت تأثير هيمنة "الشعري" على تصورنا
للإبداع الأدبي . ولعل المجتمع العربي في موريطانيا يزخر بتراث سردي شفاهي لم يتم
الالتفات إليه والاهتمام به . ولا أشك في أن الباحث محمد الأمين وزملاءه سيضطلعون
بمهمة البحث فيه ، والعمل على جمعه وتدوينه ودراسته . ولا يمكن إلا التأكيد
على أن هذا الصنيع يفيد كثيرا الدرس والإبداع العربيين معا ، بما يختزنه من
إمكانات وطاقات . كما أن اهتمام الباحث بالسرد في موريطانيا يكسر لدى القارئ
أسطورة الشعر في مويطانيا ذات المليون شاعر ، ويثير انتباهه إلى أنها أيضا بلد
السرد ، ويمكن انتظار الشيء الكثير من كتاب السرد العربي في موريطانيا إذا ما
أحسنوا الإنصات إلى السرد الشعبي واهتموا بما يختزنه من تجارب وعطاءات .
3 .
2 . لم يكتف الباحث في هذا الكتاب بتقديم المعرفة عن هذا الفضاء الثقافي ، ولكنه
زاوج بين النظري والتطبيقي ، فأبان عن قدرة فائقة في استيعاب وتمثل النظريات
السردية الحديثة ، وأحسن التفاعل مع العطاءات العربية في هذا المضمار ، فقدم لنا
بذلك تجربة متميزة سواء في قراءته لرواية القبر المجهول من حيث بنياتها
الخطابية أو النصية . فوقف على خصوصياتها السردية ، وعوالمها الدلالية .
وبذلك نؤكد أن السرديات العربية تتطور باستمرار ، وتتطور باطراد بمساهمة باحثين
ودارسين من مختلف البلاد العربية ، ودونها الشيء الكثير الذي ينتظرها في سبيل
التطور حتى تساهم في بلورة رؤية جديدة لإبداعنا العربي قديمه وحديثه ، وما اعتبر
منه "عالما " أو " شعبيا " أو " مركزيا " أو
"محيطا " لأنه بدون الاهتمام بمختلف هذه العطاءات تظل رؤيتنا محدودة ،
وقاصرة عن الشمول الذي يتميز به العالم العربي .
3 .
3 . أملي أخيرا ، أن أرى أعمالا أخرى للباحث محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم تتصل
بالسرد العربي في موريطانيا الحديثة والقديمة ، وبالسرد العربي قديمه وحديثه .
وآمل أن يتواصل الحوار والنقاش حول السرديات العربية حتى تنتقل إلى مستوى علمي
رفيع في ثقافتنا . ومثل إسهامات الباحث في كتابه هذا الذي سررت بتقديمه تفتح مجالا
رحبا للأمل، والثقة في المستقبل .