من النص إلى النص المترابط

هل يقترح سعيد يقطين مؤسسة أدبية جديدة ؟    

 

                                                                                                                     

                                 تأليف : د. سعيد يقطيـن

                                 قراءة : إدريس الخضراوي

 

   

 

 

     تطمح هذه القراءة إلى التعرف على الأطروحة الأساسية التي يدافع عنها الأستاذ والباحث المغربي البارز سعيد يقطين انطلاقا من كتابه : من النص إلى النص المترابط . مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي ، خاصة وأن هذا الكتاب يأتي في سياق تربوي وثقافي ونقدي عربي تواجهه تحديات كثيرة وإشكالات متعددة وصعبة تتطلب من المهتمين به التفكير في إستراتيجيات عمل جديدة تستطيع بمقتضاها الثقافة العربية والنقد جزء من مهم من خطاباتها ، أن تكون منتجة وفاعلة في محيطها وفي العالم من حولها . ولأن هذا الكتاب معني بالتفكير في هذه المشاكل من خلال استكشاف المسارات التي تفتحها الثقافات الإنسانية من حولنا وإبراز مستويات الهوة التي تفصلنا عنها ، فإننا سنسعى إلى الإقتراب من طروحاته من خلال المحاور التالية : سنقدم في البداية وصفا لهذا الكتاب حيث سنضعه في سياق أعمال أخرى يسكنها هذا الهاجس ، ثم ننتقل ثانيا للبحث في ذاكرة المفاهيم التي ينهض عليها هذا العمل خصوصا مفهوم النص المترابط ، ثم نتوقف أخيرا عند طبيعة الرؤية المستقبلية التي يكونها الباحث حول الإبداع العربي تحديدا والثقافة العربية بشكل عام في محيط دولي يمور بالتغيرات والتحولات على صعد عديدة .

 

1- تقديم الكتاب   

     يقول الأستاذ سعيد يقطين :  

     " أمام الثقافة العربية مسؤوليات جسيمة وقضايا عديدة و ،،،، رهانات شتى . وفي كل منعطف تاريخي ، أو بإزاء أي تحول مهم في العالم المعاصر من حولنا تتضاعف المسؤوليات وتتضخم القضايا ، و،،، تتعقد الرهانات . مرد كل ذلك إلى أن تطورنا الثقافي متعثر ، ومُواكَبتَنا لأسئلة العصر قاصرة ومتأخرة ، وإسهامَنا في حل معضلاتها أو التفكير فيها منصرف إلى أشياء أخرى " .

    بهذه العبارة المشخصة آثر الباحث أن يقدم مبررا لظهور كتابه الجديد : من النص إلى النص المترابط . مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي ، والذي أراد له أن يكون امتدادا لدراسته السابقة : الأدب والمؤسسة والسلطة . وهو يتكون من ثلاثة أبواب هي : الباب الأول وعنوانه : نحن والعصر ، الباب الثاني ويحمل عنوان : النص المترابط مفاهيم وتصورات ، أما الباب الثالث فعنوانه : الإبداع العربي وآفاق المستقبل ، بالإضافة إلى تمهيد وخاتمة مفتوحة وثلاثة ملاحق ضمنها بيبليوغرافيا موسعة حول الموضوع . ولعل الأطروحة الأساسية التي يتقصد المؤلف إلى الدفاع عنها تتمثل في حث الفاعلين في الحقل الثقافي العربي والمغربي على الالتفات إلى الإضافات التي تحققها تكنولوجيا الاتصال في ما يخص تحويل الثقافة إلى صناعة في المجتمعات المتقدمة في أوروبا وأمريكا وآسيا . وفي هذا السياق بالتحديد يمكن القول إن مجال الاهتمام عند سعيد يقطين يشهد نوعا من التوسع والانفتاح على حقول أخرى . وهو توسع تستدعيه سياقات جديدة ومتغيرات تشهدها أدوات الاتصال ونظم امتلاك المعرفة وتداولِها . وبالنظر إلى الوضع المتخلف الذي يحيط بالثقافة العربية على مستوى الإنتاج والتداول ، ويعرقل إسهامها في التنمية المنشودة : إنسانيا واجتماعيا واقتصاديا نتيجة عوامل متعددة أهمها غياب المبادرة الفردية وضيق هامش الحرية مع أن التنمية أساسها الحرية ، أمكن القول إن كتاب سعيد يقطين لا تكمن أهميته فقط في كونه يشخص هذا الوضع / المأزق الذي يأسر هذه الثقافة ويحد من فعاليتها ، وإنما يقترح فضاءات للتفكير والتأمل ويجترح برامج لبلورة الأفكار التي من شأنها أن تمهد السبيل إلى تغيير هذا الوضع إذا ما جرى تبني مضامينِها أو محاورتِها وتوسيعِها . وفي هذا الجانب فإن هذا الكتاب يتكامل مع عملين هامين للدكتور نبيل علي وهما : العرب وعصر المعلومات ، العدد 184 أبريل 1994 ، والثقافة العربية وعصر المعلومات ، العدد 276 ، دجنبر  2001  . وهذان الكتابان صدرا ضمن سلسلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب بالكويت .

     ينهض كتاب سعيد يقطين على أساس مفهوم مركزي هو الترابط النصي . وإن كان المؤلف يعترف بأن هذا المفهوم هو مفهوم حديث وليد الثورة التكنولوجية ، خاصة وأنه يستند إلى وسيط جديد هو الحاسوب الذي يعد من مبتكرات هذه الثورة ومن أهم منجزاتها . إن المؤلف وإن كان يدافع عن هذا الافتراض ويسعى لتثبيته ، فإننا نجده لا يسلم به كليا ولا ينقاد لحداثة ظهوره دون مناقشة أو تساؤل ، وإنما يجترح كوى وينحت أسئلة جديدة يمكن أن تمكن من النظر إلى هذا المفهوم من زاوية أخرى وانطلاقا من وسيط آخر لن يكون بالضرورة هو الحاسوب . ولا شك أن هذا الاجتهاد في التناول له أهميته ، خاصة وأنه يقود الباحث إلى الغوص في تراكمات الثقافة العربية إما بهدف الوقوف على بعض إضافاتها مما له علاقة بموضوع الدراسة أو بهدف تحديث التعامل معها وتجديد وسائل النظر إليها وفيها . وهو يعبر عن ذلك بوضوح حين يقول : " لقد قادني طرح هذه الأسئلة ، والوقوفُ على التجليات النصية ما قبل الجديدة ذات الطبيعة التفاعلية إلى عكس ما سجلته في المقدمتين الأولى والثانية ، وذلك أملا في الانتهاء إلى " النص " والوصول إليه انطلاقا من التفكير في النص المترابط لأنظر إليه في ضوء " الترابط النصي " ، وذلك بهدف الاستفادة مما تحقق في معالجة النص من جهة وبقصد التعامل معه وفق المرامي التي تتجسد وفق المنجزات الجديدة من جهة أخرى ، لأني أومن بأن المنجزات الحديثة لم تأت من فراغ ، ولأن الانطلاق منها يفيدنا كثيرا في إعادة النظر في أشيائنا القديمة أملا في تجديد النظر إليها وترهين وتحديث التعامل بها ومعها في ضوء ما يتحقق اليوم وغدا " .([1])  

    إن هذا الإجراء المنهجي الذي بمقتضاه يضع سعيد يقطين منجزات الثقافة الإنسانية على محك السؤال والتساؤل ، بهدف استجلاء أهمية الإنجازات السابقة واللاحقة ، وهو إجراء لا نجده في هذا الكتاب وحده وإنما عودنا عليه هذا الناقد الكبير في مجمل أعماله ، منذ كتاب : القراءة والتجربة ، مرورا ب تحليل الخطاب الروائي ، وانفتاح النص الروائي ، والرواية والتراث السردي ، والكلام والخبر ، وقال الراوي والأدب والمؤسسة والسلطة ،،، إن ذلك لا يعكس نوعا من الأسلفة كما قد يدعي البعض ، ولا هو محاولة لفرض وجود لهذه الأشكال من الوعي في الثقافة العربية بالقوة ، وإنما هو استراتيجية مهمة تعكس طبيعة الخيال النقدي للمؤلف وقدرته على وضع الموضوعات التي يتناولها ضمن سياقات أرحب ، بما يمكن من الوصول إلى نتائج ذات أهمية في مجالها . وفي هذا الجانب لا يبدو سعيد يقطين ناقدا أو دارسا وحسب وإنما هو كذلك مثقف معني بالسؤال الثقافي ومنشغل بحدوده وضوابطه في حقل ثقافي محدد هو الحقل الثقافي العربي . فالباحث عندما يدعو جهارا إلى تسريع استجابتنا للتحولات الثقافية من حولنا والاستفادة مما توفره المبتكرات العلمية الحديثة في مجال التواصل فإنه لا يدعو إلى ذلك إلا مصحوبا بتحول على مستوى الذهنية العربية : من العقل المستهلك إلى العقل المنتج ، وإلا سيظل مشروع التطور معطلا ، وستزداد الهوة اتساعا بيننا وبين العالم المتقدم ، لا لشيء إلا لأن منظورنا للتطور يفتقد إلى تشخيص واضح لواقعنا ، وضعف في خلق الظروف المساعدة على تغييره . ولذلك نجد المؤلف يؤسس مرتكزات لهذه الاستجابة السريعة حتى تكون منتجة ، وتتمثل في ما يلي :

- ضرورة استيعاب روح هذه المنجزات والتعرف على آلياتها وكيفيات عملها حتى يتسنى الانتقال مع الزمان إلى مرحلة الإبداع .

- خلق الظروف التربوية والتعليمية الملائمة حتى تغدو هذه المعرفة الجديدة متاحة للجميع وفي متناولهم ، فضلا عن تشجيع المواهب والكفاءات والعمل على تطويرها اقتداء بالمجتمعات الآسيوية .

- تطوير التعامل باللغة العربية في مجال تكنولوجيا المعلومات ، وذلك حتى تواكب المستجدات وتغدو مثل اللغات الأخرى المهيمنة في هذا المجال .

- تشجيع التكوين في مجال تكنولوجيا المعلومات ، ومد الموارد البشرية العربية بالجديد في هذا المجال حتى تصبح مصدرا للاستقرار والإبداع في العالم العربي .

- دخول المثقفين والمفكرين والصحفيين والسياسيين والعلماء إلى عوالم الوسائط المتفاعلة ، والمساهمة في الإبداع من خلالها وتبادل الخبرات فيها .([2])

 

2- ذاكــرة المفهوم

    على الرغم من أن الدراسات والأبحاث الأولى التي ميزت الاشتغال حول موضوعات متعددة ذات العلاقة بالتواصل أو قريبا  منه لم تتحدث عن مفهوم الترابط النصي كتوصيف للنصوص التي وسيطها هو الحاسوب ، فإن الاستاذ سعيد يقطين يرى بأن الفضل في تبلوره وتعينه مفهوما أساسيا ومركزيا في الأبحاث والدراسات ذات العلاقة بالتواصل يعود إلى الاختصاص المعرفي والعلمي الذي يعرف بـ السيبيرنيطيقا . فالإنجازات والاكتشافات التي تحققت في مجالات البحث المختلفة : الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة ونظريات الذكاء الاصطناعي ، غيرت النظرة إلى كثير من الموضوعات والظواهر ، وساهمت بقوة في الإرهاص بالصورة الجديدة للعالم والتواصل والتكنولوجيا : وهي الصورة التي بدا فيها إنسان آواخر القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين ليس فقط مراقبا أو مستكشفا للطبيعة وإنما مصمما لها ، كذلك ، وفق مقاصده وأغراضه واحتياجاته الخاصة . ([3]) بهذا المعنى فالإمكانات التي تتيحها تكنولوجيا الاتصال على مستوى إنتاج المعرفة وتداولها هي ثمرة لكل التحولات التي شهدتها المعرفة العلمية سواء تعلق الأمر بمجال العلوم الحقة أو العلوم الإنسانية . وكما عودنا سعيد يقطين في كتبه السابقة ، فإن تعامله مع الاختصاصات العلمية التي كان يفكر بمقتضاها في الموضوعات التي انشغل بها لم يكن تعاملا مسطحا أو مقلِّدا وإنما كان ينم عن قدرة كبيرة على استغوار روح هذه العلوم وإعادة إنتاجها ضمن سياقات جديدة . وكما ينطبق هذا التوجه على العلماء الذين نقلوا مفاهيم السرد من أوروبا الشرقية كتودوروف وكريستسفا وغريماس وجاكبسون إلى الغرب وتحديدا فرنسا ، ينطبق عليه كذلك ؛ وهو الذي أتاح فضاء خصبا لاستنبات تقاليد في دراسة السرد العربي : القديم والحديث مستفيدا بقوة من السرديات حيث نقل الكثير من مفاهيمها وإجراءاتها إلى الحقل الثقافي العربي. إن هذا العلم الذي قدم له سعيد يقطين إضافات كثيرة لم يكن بمنأى عنه وهو يفكر في النص المترابط . فانطلاقا من سرديات جيرار جونيت اجترح سعيد يقطين مفهوما جديدا يتسع لاحتضان النص المترابط هو مفهوم التعلق النصي . وانطلاقا من الإفادات الكثيرة التي قدمها هذا المفهوم لنظرية الأدب خصوصا في توضيح العلاقات التي تنهض بين النصوص السابق منها واللاحق يتبين " أن هذا التفاعل يتجاوز النص في بعده اللفظي إلى نصوص ذات طبيعة صورية أو صوتية و غيرها، وتستفيد من أبعاد مختلفة للنصوص الفنية وسواها . ويكشف لنا هذا بالملموس عن الطابع الغني وغير المحدود لأشكال وأنواع التفاعل التي تتحقق بين مختلف الإنتاجات التي يبدعها الإنسان ويخلقها لدواع تتصل بتنويع وإثراء أنماط التواصل بين الناس " .([4]) لكن هذا المفهوم الذي شكل إحدى الإضافات المهمة لسرديات جونيت لم يكن هذا الأخير يستعمله بالمعنى الذي كان يستعمل بين العلماء والمهتمين بحقل التواصل . من هذا المنطلق تفطن سعيد يقطين إلى ضرورة وضع مقابل جديد لهذا المفهوم هو الترابط النصي بحيث تتضح المسافة بين تصور جيرار جونيت والتصور السائد في حقل الإعلاميات . وما يسند هذا المقابل الذي وضعه المؤلف هو التعريفات المختلفة التي تناولت الترابط النصي وهي كلها تشير إلى خاصية الربط بين المعطيات المختلفة سواء كانت نصوصا أو صورا أو قطعا صوتية أو موسيقية .

     إن ما ينبغي التأكيد عليه في سياق هذه القراءة التي تتخذ من كتاب : من النص إلى الترابط النصي موضوعا لها ، هو إلحاح الباحث سعيد يقطين على أن التفكير في النص الإلكتروني الذي من سماته المعرفية الترابط ، أقول أي تفكير في هذا النص لا يأخذ في الاعتبار التحولات التي شهدها التفكير الأدبي منذ الفترة البنيوية وما بعدها ، سوف يلوي عنق الحقيقة ولن يمسك بالتأثيرات التي أنجزتها هذه التراكمات ومكنت من توسيع النظر إلى النص الإلكتروني وتنشيط التفكير فيه وفي الوسيط الذي يتحقق من خلاله وهو شاشة الحاسوب . وعندما نستقصي مع هذا الناقد هذه التحولات نجد أن ثمة انتقالا واضحا في مجال التفكير في النص في الفترة البنيوية وما بعدها قياسا إلى ما قدمته نظرية الأدب قبل هذه الفترة خصوصا مع المناهج النفسية والاجتماعية والتاريخية . فبتأثير من اللسانيات التي قدمت نفسها كنموذج علمي قادر على تفسير الظاهرة اللغوية ، استطاعت الشعرية المعاصرة مع جونيت وتودوروف وكرسيتيفا وأنطون كامبانيون وكريزينسكي و،،،،أن تقف على جوانب هامة من خصوصية النص الأدبي مستفيدة في ذلك من علوم مجاورة ، ومن هذه الجوانب ما يتصل بالانفتاح والتناص والتعدد الدلالي واللانهائية والاستعصاء عن كل قراءة أحادية أو اختزالية. من هذا المنطلق فليس غريبا أن يذهب الكثير من منظري النص الإلكتروني في الفترة المعاصرة ومنهم لاندوو إلى القول بأن الكثير من منظري الأدب في النصف الثاني من القرن العشرين مثل باختين وبارت ودريدا وميشيل فوكو تنطبق تصوراتهم حول النص بشكل كبير على النص الإلكتروني . وهو الأمر الذي لا يجد فيه الأستاذ سعيد يقطين أي مبالغة لأن الحقبة البنيوية جعلت النص محور اهتمامها ، وفيها تبلورت أهم المدارس والاختصاصات العلمية التي قتلت هذا النص بحثا وتنظيرا كالسرديات والسيميوطيقا وتحليل الخطاب ولسانيات النص ،،،.([5])

    يتبين من خلال العرض الذي قدمه يقطين لمفهوم النص في الاختصاصات المعاصرة أن النص الإلكتروني هو ثمرة لهذه الإنجازات العلمية ، بل إنه استفاد منها كثيرا في تحديد سماته ومقوماته حتى أصبح واقعا جديدا . ومادام هذا النص يتحقق عبر وسيط جديد هو الحاسوب الذي عبر شاشته يقرأ ، فإنه يتطلب من كاتبه وقارئه أن يشتركا في المعرفة بهذه اللغة الجديدة وهي الإعلاميات . إذ بدون المعرفة بها والإمكانات التي تتيحها لن يتمكن الكاتب من إنتاج هذا النص كما أن القارئ لن يكون بمقدوره التعرف عليه لأنه يجهل المسالك التي يمكن أن تقوده إلى ذلك . في هذا السياق نجد سعيد يقطين يشدد على ضرورة التمييز بين :

-                               الترابط النصي الذي يعني به السمة التفاعلية المميزة للنص سواء كان مطبوعا أو إلكترونيا.

-                               النص المترابط Hypertexte وهو خاص بالنص الإلكتروني الذي تتحقق فيه الروابط بين أجزائه ومكوناته .

 فإذا كان الترابط النصي مظهر من مظاهر التفاعل النصي ، فإن ليس كل نص إلكتروني هو نص مترابط . فهذه السمة لا تتحقق للنص إلا إذا روعي في تحققه كتابة ما يلي : أولا القصدية وثانيا التنظيم وثالثا الإنجاز . وكما تستدعي كتابة النص المترابط هذه الشروط تتطلب كذلك قراءته مراعاة اعتبارات عديدة . وتبعا لذلك نجد سعيد يقطين يميز بين نوعين من قراء هذا النص . النوع الأول وهو القارئ المبحر وهو قارئ لا يتيه عبر روابط النص وإنما يركز كل جهده على النص المترابط بحيث لا يدع عقده وروابطه تأخذه إلى ما لا نهاية . إن قراءته تتميز بنوع من الحذر ، ولذلك فإن عمليات الانتقال التي يقوم بها غالبا ما تبقى في حدود الروابط التي يزخر بها النص .أما النوع الثاني فهو القارئ الجوال وهو قارئ نشيط يعمل باستمرار على تنشيط المعينات بقصد تحقيق الانتقال وراء النصوص . فهو إما فضولي وإما باحث عن شيء غير أنه لا يمتلك معرفة بالمعينات التي تقوده إلى موضوعه .

 

3- الإبداع العربي : استشراف المستقبل

      يتوقف سعيد يقطين عند واقع الأدب العربي ويسائل التحديات التي تواجهه في ظل التحولات التي تعرفها الثقافات الإنسانية . وهو ينطلق في ذلك من مسلمة كثيرا ما أكدت عليها الأدبيات العربية القديمة وهي العلاقة الوطيدة بين الأداة والاستعمال . فكل استعمال لأداة جديدة يقتضي وعيا بها وبطرائق توظيفها وإلا سيظل هذا الطموح معلقا ولن يجد تحققه على أرض الواقع . ولأن الكتاب يعبر عن رغبة صريحة في دعوة الفاعلين الثقافيين من كتاب ونقاد وصحافيين ورسامين وسياسيين وقراء عاديين إلى الدخول في العصر عبر استغلال الإمكانات الكثيرة التي يتيحها هذا الوسيط الجديد ، فإن إنجاز هذا التحول المستقبلي والمصيري يستدعي بالضرورة انفتاحا على الثقافة المعلوماتية ومبادئها ووسائلها ومنها الحاسوب . وإن أي تأخر في هذا الجانب سيكون له تأثير سلبي على الأجيال اللاحقة . ويرى المؤلف بأن ثمة مشاكل تعوق هذا الانتقال وهي ذات طبيعة ذاتية ، وتتمثل في كوننا نحمل الكثير من الأفكار المغلوطة التي تصور لنا الاعتراف بالجهل كما لو أنه خطيئة وتفاجئنا باستمرار بكوارث مدمرة. من هنا تسترنا عن حاجتنا للتوعية والتثقيف والتعلم ومن ثم رفضنا غير المبرر للتعاطي مع التكنولوجيا الحديثة والتموقف منها .

    من هذا المنطلق يدخل المؤلف إلى تشخيص الرهانات التي يتوجب على الأدب العربي كسبها إذا ما أراد الدخول في العصر والمشاركة في بناء الثقافة الإنسانية . ويلاحظ المؤلف من خلال عرضه للتطورات المختلفة التي مرت منها الرواية العربية كنوع سردي أن ثمة إنجازات مهمة تحققت على هذا المستوى سواء من جهة الأساليب الفنية وتنوع التجارب والاتجاهات وتراكم النصوص والحساسيات وهو التطور الذي بلغ أوجه خلال الثمانينيات حيث الرواية أصبحت تنافس الشعر على مركزيته التاريخية . غير أن هذا التطور أصبح يواجه مع بداية القرن مشاكل عديدة . فالتجاوب الذي كان حاصلا مع الرواية أصبح يعرف نوعا من الفتور والتراجع كما لو أن الرواية العربية استنفدت كل إمكاناتها . ولذلك نجد سعيد يقطين وبصفته متابعا لهذه الرواية وناقدا بارزا لها يؤسس لأفكار يمكن أن تفتح مسارب جديدة أمام الكتاب والمبدعين والنقاد إذا ما تجاوبوا مع مقترحاتها . فالنقد مطالب بالإبداع ومواكبة المستجدات إذا ما أراد أن يكون منتجا في علاقته بالنصوص . وها هنا يلاحظ الناقد سعيد يقطين أن النقد العربي لا يزال أسير التكرار والاجترار في وقت تعرف فيه النظريات النقدية تطورا كبيرا وانتقالا نحو أسئلة جديدة متصلة بالفضاءات التي تفتحها علوم جديدة كالسيبيرنيطيقا ونظريات التواصل والإعلاميات ونظريات اللعب وعلم النفس المعرفي وعلوم الذهنيات والوسائط المتفاعلة والذكاء الاصطناعي والأنتربولوجيا . إن هذه العلوم جعلت الدراسات الأدبية تدخل مرحلة جديدة تتميز بلغة نقدية مختلفة من حيث المفاهيم والأدوات المتصلة بالنص المترابط والتفاعلية والواقع الافتراضي والأدب التفاعلي . وما يقال عن النقد ينطبق أيضا على الشعر والرواية بمعنى معين . فالروائي العربي مطالب إذا ما أراد تطوير المنجز والمتراكم بإغناء زاده الجمالي وتوسيعه عبر استثمار الكنوز التي توفرها الإبداعات العربية التراثية وكذلك الإبداعات الإنسانية . وكذلك الشعر العربي . ففي انتقاله من الشفوية إلى الكتابية فالإلكترونية ما يمكن أن يفتح فضاءات جديدة للتواصل يمكن أن تمكن الشاعر والقارئ على الاتفاق على وعي شعري جديد يؤسس العلاقة بينهما وتنتظم في إطاره . والحاسوب يمكن أن يوفر للمبدع العربي سبيلا للدخول إلى العصر إذا ما أقدم على التفاعل معه بوصفه وسيطا جديدا ، واستغل الخدمات التي يوفرها في تأسيس علاقة جديدة بقارئه يمكن أن تتجاوز مناخ التكرار والاجترار لترتاد آفاق الإبداع والاستكشاف .

 

خاتمـة :

     كثيرة هي الأفكار الهامة والغنية التي عبر عنها الأستاذ سعيد يقطين في هذا الكتاب . وواضح أن قراءة مثل هذه لا يمكن أن تمسك بها في شموليتها واتساعها وتشعب مواردها . ولكننا في ما عنينا بإضاءته واستجلائه يمكننا أن نخلص إلى القول بأنه إذا كان زمن العولمة يلقي بإنسان جديد مغاير للإنسان الذي تحدثت عنه العقائد والفلسفات والمقولات الكليانية ، لأنه خلاق باستمرار " لا تستعبده عقيدة أو مقولة ، ولا تأسره هوية أو صورة ولا يستعمره أصل واسم أو نموذج أوحد ، وإنما هو يتعامل مع نفسه وغيره ، مع أشيائه وواقعه من أجل أن يتحول عما هو عليه في الفكر والعمل بخلق الفرص التي تتيح تجديد الوسائل وتحديث الوسائط بقدر ما تتيح تغيير الأدوار وابتكار المهام " ([6]) ، فإن كتاب الأستاذ سعيد يقطين يعد من هذه الزاوية محاولة مهمة لإثارة الانتباه للتحديات الكبيرة التي تواجه المثقف العربي في زمن التحول هذا . فالإمكانات التي تتضاعف اليوم بشكل لا سابق له مع التطورات التي تتحقق في مجال الاتصال ومنظومات الأرقام تفرض وجودا جديدا تستدعيه تقنيات المعلومات وانفجارات المعارف . وهو أمر نبدو على مسافة بعيدة منه نتيجة ما نحن عليه من تمسك غير مقبول بصور وأشكال قديمة لا تعمق سوى الفواصل بيننا وبين الثقافات الإنسانية وتحول بيننا والاستفادة المثلى من معينها الذي لا ينضب. 

    

 

 

   

 

 

 

الهوامــش :  


 

[1] - سعيد يقطين : من النص إلى النص المترابط . مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي ، المركز الثقافي العربي ، بيروت- الدار البيضاء 2005 ، ص : 154.

[2] - المــرجـــع نفسـه : ص : 247.

[3] - ميتشيو كاكو : رؤى مستقبلية ، كيف يغير العلم حياتنا في القرن الواحد والعشرين ، ترجمة الدكتور سعد الدين خرفان ، مراجعة محمد يونس ، عالم المعرفة ، العدد 270 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت 2001 ، ص : 21.

[4] - سعيد يقطين ، مرجع سابق ، ص : 97-98.

[5] - المـرجـع نفسـه ، ص :125- 126.

[6] - علي حرب : حديث النهايات . فتوحات العولمة ومآزق الهوية ، المركز الثقافي العربي ، بيروت- الدار البيضاء 2000 ، ص : 195.