لـ " أحمد الداهي "
تقديم سعيد يقطين
1 . محاولة تأصيل :
1 . 1 . إن محاولة " تأصيل " جنس أو نوع ما ، أو البحث في تشكله
، هي من الأعمال التي لا يمكن أن يُقدِم عليها إلا من يروم النظر في الظاهرة بعيدا
عن تجلياتها العادية أو الملموسة . وهو بذلك يرمي إلى النفاذ إلى أعماقها التي
تصلها بغيرها ، وتنظمها جميعا في نسق شامل وجامع.
1 . 2 . يدخل عمل الباحث والناقد محمد الداهي في هذا النطاق . فهو يسعى إلى
اقتحام مجال " نظرية الأجناس " بوعي الباحث ، وحس الناقد . يركز على نوع
محدد هو " السيرة الذهنية "، وينطلق في البحث عن تجلياته في نصوص عربية
قديمة وحديثة . ولا ينسى الاستئناس بنصوص أجنبية في المضمار نفسه . وهنا مكمن
خصوصية هذا الكتاب الذي يتجاور فيه "المنقذ من الضلال " للغزالي مع
" أوراق " العروي ، وتتوطد الصلات فيه بين " حي بن يقظان" بن
طفيل ، و"أنا " العقاد…
ألفنا قراءة أعمال عن هذه النصوص وغيرها من
الأعمال المتناولة في هذا الكتاب ، وهي تعالجها من زوايا تختلف عن تلك التي وقف
عليها الداهي متسائلا ومنقبا عن الجامع بينها، وما تأتلف فيه وأين تختلف .
1 . 3. من السهولة بمكان قراءة أي مصنف أو مؤلف قراءة تعزله عن غيره ،
وتكتفي بمعالجته في ذاته . لكن ما أصعب هذه القراءة حين تستهدف الوقوف على الأبعاد
الجنسية أو النوعية للنص . وتزداد هذه الصعوبة عندما يكون " الجنس
" أو " النوع " المبحوث فيه ذا ملامح خاصة ، ولم يعالج ( في
أدبيات سابقة ) بصورة تقرب أبعاد تلك الملامح ، وتيسر للمجتهد أن يضيف أو
يعدل ،،، وهذا شأن " السيرة الذهنية " . ومن هنا تأتي أهمية هذه
"المحاولة التأصيلية " . وتلك خصوصيتها المغامرة . إنها اقتحام لمجال ما
يزال يستدعي الكثير من العمل والجهد .
2 . البويطيقي والنقدي :
2. 1. يغامر الباحث ، ويسمي " النوع
" ( السيرة الذهنية ) . ويبحث عن تجلياته في نصوص قديمة وحديثة :
أ ـ المنقذ من الضلال : الغزالي .
ـ التوابع والزوابع : ابن شهيد .
ـ حي بن يقظان : ابن طفيل .
ب ـ أنا : العقاد .
ـ أوراق : العروي .
ـ شارع الأميرات : جبرا إبراهيم جبرا .
وهو إلى جانب هذه النصوص يعالج غيرها بصورة أو بأخرى . يقارن أو يوازي ،
يستشهد أحيانا بالنظير، وأخرى بالمفارق ، بغية الإمساك بالعلاقات والتشابهات
والتقاطعات . وتظل "السيرة الذهنية " عصية ومستعصية ، تختلط بالسيرة
الذاتية أحيانا . وتحاول الاستقلال عنها أخرى . وبين الاتصال والانفصال تبتعد
السيرة الذهنية حتى نعتبرها تنويعا على لسيرة الذاتية، وتقترب منها إلى درجة
التماهي . أوليست هذه هي طبيعة الأجناس والأنواع . تتداخل وتتقاطع، وتتصل بعضها
وتنفصل عنه في الآن ذاته . ولذلك يسهل إنكار التمايز ، ولكن يصعب إثباته . وهذا
جوهر التفكير الأدبي ، لأن اي تفكير فيه هو تفكير في أجناسه وأنواعه .
2 . 2. ينبري الباحث محمد الداهي لهذه المعضلات بجرأة
وحذاقة . ولابد ، في هذه الحال ، من الاصطدام بالصعوبات . يحاول المزاوجة بين عمل
البويطيقي وعمل الناقد . فيتوارى الأول وراء الثاني .
2 . 2. 1 . يسعى البويطيقي / العالم
إلى معاينة البنيات المجردة ، ورسم الخطوط الكبرى لمعالم المشروع الجنسي وما يتفرع
عنه من أنواع وأنواع فرعية ،،، فيضع الثوابت العامة بناء على معايير كلية وجوهرية
. وهو لايحقق هذا العمل إلا بعض إنجاز أعمال امبريقية على تجليات عديدة تتصل
بالجنس موضوع البحث .
2 .2. 2 . يأتي عمل الناقد ليشتغل بالتجليات وفق التصورات والإطارات
التي وضعها البويطيقي . فيقارب الموضوع من زاويته الخاصة ، فيضيف ويعدل ويدقق
وفق ما يقدمه له المتن المشتغل به . وكما يستفيد الناقد من عمل العالم ،
يستفيد هذا منه في دورة مستمرة ودائمة من البحث المتواتر .
2 . 2 . 3. يمكن أن يجتمع الناقد والعالم
في شخص فيتكامل عملهما ، ويحقق أحدهما للآخر ما يحتاج إليه . وهذا الرهان الأصعب
هو ما رام الباحث الداهي ركوبه . وإذا كان عمله النقدي بارزا في هذا العمل من خلال
انكبابه على نصوص بعينها ومعالجتها في ضوء الأسئلة العلمية التي طرح ، فإن هذا
النمط من الاشتغال لا يمكن أن يؤدي به إلا إلى الكشف عن خصوصيات النصوص التي عمل
على تحليلها من حيث بعدها النوعي الجامع ( السيرة الذهنية) . ولقد وفق فعلا في
إضاءة العديد من الجوانب ، والوقوف على العديد من المميزات والتجليات المتصلة
بالنصوص التي عمل على تحليلها .
2 . 3 . ليس من السهولة بمكان ، الاضطلاع بعمل العالم
في الفكر الأدبي العربي بوجه عام. وما يزال أمامنا الكثير من الجهد لنبذله لنصل
إلى هذا العمل . ولعل أهم نقطة انطلاق في هذا السبيل هي أولا الإيمان بجدوى ذلك
وضرورته . وقد تحقق هذا في هذه الدراسة التي تسعى فعلا لتكون " محاولة
للتأصيل " ومنطلقا للبحث والتحليل ، ومدخلا لابد من أن تتلوه مداخل أخرى
لترجمة جزء من إشكالات الدرس الأدبي العربي ، وتطوير قضاياه ، وتفجير أسئلته
العديدة : المعلقة والمؤجلة.
شعرية السيرة الذهنية لمحمد
الداهي خطوة أولى في رحلة الألف ميل . ولتكون فعلا تلك الخطوة ، فهي تستدعي الحوار
والنقاش ، بل إنها تدفع إليهما دفعا . وذاك هو ما يبرر حضورها وجدواها .