السرد العربي

مفاهيم وتجليات

 

صدر كتاب السرد العربي : مفاهيم وتجليات ، دار رؤية بالقاهرة ، 2006 ، وفيما يلي مقدمة الكتاب :

 

مقدمة

 

1 . 1 . توفرت لي منذ بداية اشتغالي بالسرد العربي بدءا من أواسط الثمانينيات إلى الآن دراسات عديدة يتصل بعضها بجوانبه التكوينية والتطورية ، وبعضها الآخر بموقعة هذا التراث من حيث خصوصيته وطبيعته ووظائفه . نشرت بعض هذه الدراسات في بعض المجلات العربية ، كما أن بعضها الآخر ، لما ينشر لاستكمال إجراءات البحث ، أو بسبب الانشغال بجوانب أخرى تتصل باهتمامات تتولد من صلب الانخراط في قضايا جديدة ، وبعضها الآخر وجهت طلبتي إلى الاهتمام به والانكباب عليه من خلال أطروحاتهم الجامعية ،،،

    كان كتابي الكلام والخبر بمثابة مقدمة للسرد العربي ، حاولت فيه تقديم تصور شامل لكيفية الاشتغال به مع محاولة موضعته ضمن أجناس الكلام العربي بعد مدة طويلة من التفكير والتأمل والبحث . وجاء قال الراوي ليصب في مجراه من خلال البحث في السيرة الشعبية من حيث مادتها الحكائية ، وما يزال بحثي متواصلا في جوانبها الخطابية والنصية ، وذلك بغية تطوير إجراءات السرديات ، انطلاقا مما تقدمه نصوص السيرة الشعبية العربية .

1 . 2 . يأتي هذا الكتاب ليسير في المجرى الذي اختطه كتاب الكلام والخبر من خلال ترهين البحث في بعض المفاهيم الأساسية المتصلة بالسرد العربي ( مفهوم السرد العربي وأبعاد الاشتغال به ، قضية كتابة التاريخ السردي ، مفاهيم التراث وما يتصل بها من مفاهيم ، مفهوم المكتبة السردية العربية ) لأني رأيت أن هذه المفاهيم ما تزال تستدعي إعادة النظر فيها باستمرار ما دامت الاستعمالات الموظفة بصددها تستند إلى الإطار المرجعي السائد والذي تبلور خلال عقود وعقود ، وكان الباب الأول مخصصا لذلك .

    أما الباب الثاني فتم التوقف فيه على مجموعة من التجليات النصية التي تمكننا من إعادة النظر في بعض المفاهيم التي وظفناها في الكلام والخبر مثل مفهوم "المجلس " الذي أوليته مرتبة خاصة في إنتاج الكلام العربي . وبدا لي أن كتاب "الإمتاع والمؤانسة " يشكل تجليا نصيا خاصا يعمق الفكرة نفسها ، ويبين صلة الإنتاج الكلامي العربي بفضاء المجلس بامتياز .

    وإذا كان المجلس يتصل بالفضاء المادي الذي ينتج فيه الخطاب ، فإن الرحلة تتأطر بدورها في نطاق الفضاء باعتباره مكانا ينتقل فيه الراوي ـ المتكلم مشاهدا ومعاينا عوالم جديدة وغريبة بالنسبة إليه . وعن طريق " فعل الرحلة "  هاته يتم إنتاج " خطاب الراحلة " . فكان تساؤلنا مركزا حول كيفية تعامل الراوي ـ المتكلم ( الرحالة ) مع هذا الفضاء المنتقل إليه وكيف تتحقق المعرفة به من خلال نقل العوالم المنتقل إليها في خطاب له خصوصيته التي حاولنا الكشف عن بعض مكوناتها ومميزاتها .

    وإذا كان المصنف الجامع ( الإمتاع والمؤانسة ) وهو يتشكل لدواع يمليها المجلس حيث نجد متكلما ومستمعين ، وواحدا منهم يسأل والمتكلم يجيب (المحاورة ) ، كانت الرحلة بدورها " محاورة " للعالم الخارجي من خلال الانتقال إليه ، والتعرف عليه ، والتواصل مع بعض مكوناته . في الحالتين معا ، يتشكل "الخطاب " السردي ، وهو الذي يهمنا هنا ، بناء على ضرورة تتصل بالفضاء (المجلس / الرحلة ) ، ونتبين من خلال ذلك أنهما معا يولدان السرد ، ويدفعان إلى تحققه وتجليه بناء على قواعد خاصة يفرضها نوع هذا المولد للسرد . ولقد جعلنا هدفنا الأساس البحث عن هذه الآليات التي تتحقق من خلال الرحلة ، وحاولنا ضبط البنيات الخاصة ب" خطاب الرحلة " ،  لما  لاحظناه من تعميم يتصل بها .

2. 1 . لكن ليس الفضاء وحده المحفز للسرد . يلعب الزمان بدوره الدور نفسه. ويقدم لنا "الحلم " مثالا دالا على ذلك بمنأى عن رغبة الرائي ـ الراوي . فزمان النوم ، سواء كان في  الليل أو النهار ، يدفع في اتجاه " تولد " خطاب الرؤيا أو الحلم . وهنا نجد أنفسنا أمام نوع آخر من الخطابات لم يتم الالتفات إليه في ثقافتنا ولم يتم التركيز عليه : إنه " خطاب الحلم " .

    يتجلى " الحلم " باعتباره بنية خطابية في العديد من النصوص العربية قديمها وحديثها ، مقدسها ومدنسها . كما أنه يحضر في العديد من النصوص السردية باعتباره مولد الحكي فيها ، وعلى أساسه يبنى العمل السردي بكامله . ولقد أثار خطاب الحلم ، لما يحمله من أسرار وألغاز ، اهتمام العرب مبكرا ، وحاولوا تناوله بالتفسير والتأويل . وهناك أدبيات عربية كثيرة توقفت عنده ، وحاولت إعطاءه دلالات خاصة ، ومعاني محددة .

    إن الحلم خطاب سردي ، يتراءى للمرء في النوم  على شكل صور متقاطعة ومتداخلة وغير منسجمة . وبما أنه خطاب فهو قابل للتأويل . كيف يتم تأويله ؟ وما هي ضوابط ذلك ؟  كان بحثنا في الحلم محاولة لمعاينة كيف رصد العرب القدامى هذا الخطاب وحاولوا وضع معايير صارمة لتلقيه وتأويله .

    انطلقنا من هذه الأدبيات لنقف ، كما حاولنا مع خطاب الرحلة ، على كيفية اشتغال خطاب الحلم لنكشف عن آلياته ومكوناته ، ورأينا أن البحث فيه يعمق أدواتنا النظرية ويمدنا بمفاهيم جديدة لا تعترضنا في الدراسات الأجنبية : هكذا نلاحظ مثلا أن مفهوم " الرائي " الذي استخرجناه من بنية خطاب الحلم ، يمكن أن يسهم بدور كبير في تطوير فهمنا للخطاب ، وله إمكانات للتعميم على خطابات أخرى .

2 . 2 . إن للحلم بعدا عجائبيا أيا كان الحلم ، لأنه من جهة ذو لغة خاصة ، لا تختلف كثيرا عن لغة الخطاب العجائبي ، لذلك حاولنا أن نبحث عن آليات خاصة بتلقي العجائبي انطلاقا من الحكاية العجيبة المتصلة بالمغازي والفتوح ، وكانت إحدى الغزوات التي يحتل فيها علي بن أبي طالب موقع البطولة ( غزوة وادي السيسبان ) تمثل من جهة نموذجا للبعد العجائبي كما أنها من جهة ثانية تقدم لنا صورة عامة عن نمط من الحكايات التي يحتل فيها علي بن أبي طالب البطولة. حاول تحليلنا التركيز على تلقي العجائبي ، كتنويع على تلقي الحلم ، كما كان يرمي إلى إبراز " موقع " علي في السرد من خلال التساؤل عن إمكان "صناعة " سيرة شعبية لعلي من خلال جمع كل المرويات التي تحكي بطولته في العديد من الغزوات ، مع العمل على ربطها بأخريات تتصل بما يروى عن ابنه الحسين وقصة استشهاده .

2 . 3 . إن السؤال الذي طرحناه عن " المكتبة السردية العربية " في الباب الأول يبين لنا بالملموس من خلال التساؤل عن موقع علي بن أبي طالب في السرد العربي أن جمع كل النصوص المتصلة به في التراث الشعبي العربي كفيل بجعلنا أمام شذرات نصية لها العديد من المقومات التي تمكننا من تنظيمها في نص "شامل" حول هذه الشخصية ، وبذلك يمكننا تقديم ما تفرق من نصوص سردية في " كتاب " واحد يمكننا تعيين نوعه . وهذا العمل كما يمكننا القيام به مع علي بن أبي طالب يمكننا إنجازه بصدد نصوص سردية أخرى ( وهذا ماحاولنا تقديمه من خلال سيرة بني هلال ) لتنظيم المكتبة السردية العربية وضم بعض نصوصها إلى بعضها الآخر.

   ذاك لأن سيرة بني هلال تقدم لنا مثالا دالا على ما نحن بصدده . فهناك روايات كثيرة لهذا النص ، ومن خلال قراءة سردية ونقدية ، ونصية ، يمكننا " صناعة " سيرة بني هلال من خلال ما تفرق من النصوص الموجودة ، وبذلك يمكننا الحديث عن " سيرة بني هلال " المتكاملة ، والتي نجعلها تستوعب كل النصوص المتداولة . حاولت قراءتنا الجديدة ، إبراز جزء من هذه العملية من خلال قراءتها قراءة سردية بربط أجزاء النصوص التي تتشكل منها .

2 . 4 . إن ما نقدمه في هذا الكتاب يثير العديد من الإشكالات التي تتصل بالسرد العربي ، ولا يمكن لكتاب واحد أن يستوعبها كلها . لذلك جعلناه جزءا من مشروع كبير ، نأمل تحقيق بعض منه . إنه مشروع طموح ومتعدد الأبعاد والجوانب ، لأنه لا يقف فقط عند الرغبة في الإحاطة بقضايا التراث السردي العربي من حيث مفاهيمه وتجلياته ومجمل المسائل التي يمكن أن تتولد منهما ، ولكنه أيضا ، يسعى إلى تطوير النظرية السردية من جوانبها المتعددة التي تتعدى الأشكال إلى الدلالات إلى مختلف أبعادها الواقعية والتاريخية والتأويلية والثقافية . إن هذا العمل بمختلف الهواجس التي يحملها يروم تعميق فهمنا ووعينا بجزء أساسي من تراثنا وثقافتنا العربية . هذا الجزء الذي ظل مهملا طيلة قرون طويلة هو الذي نختزله في كلمة واحدة جامعة هي : السرد العربي . وعندما نصبح نتحدث عن " السرد العربي " حديثنا عن " الشعر العربي " فمعنى ذلك أننا أمام تحول في رؤيتنا تراثنا . وهذا ما عملنا وسنعمل ، وسنظل نعمل على تحقيقه ، والله ولي التوفيق .

سعيد يقطين

تمارة في : يوليوز 2005