في رواية عرس الزين
للطيب صالح
سعيد يقطين
1. تقديم :
1. 1
. تأصيل أم تجريب؟
تشيع
حاليا في النقد الروائي العربي مصطلحات مثل : التراث والحداثة ، والتأصيل والتغريب ،،، غير
أن توظيف هذه المصطلحات في علاقته بالنص الروائي ، لايستند في الأغلب إلى خصوصية
ما تقدمه الرواية العربية ، ولكن إلى مشاكل حيوية يخوض فيها الفكر العربي الحديث .
لذلك تتم معالجتها من منظور تقييمي وموقفي . ولما كانت لنا نظرة مختلفة إلى مثل
هذه القضايا ، إيمانا منا بأن اتخاذ المواقف وأحكام القيمة هما معا من محصلات
رؤيات مسبقة عموما ، وليسا مقدمات للبحث والتحليل ، ارتأينا تجاوز هذه التصنيفات
الثنائية لما فيها من اختزال وتعميم .
إننا نذهب في مسار آخر ،
ونعتبر تجربة التأصيل يمكن أن تكون حداثة ، كما يمكن لمغامرة روائية تجريبية أن
تصب في مجرى التأصيل الروائي ،،، وهكذا . فالتجربة الروائية المتطورة والمبدعة
تكتسب خصوصيتها من مدى قدرتها على تحقيق مستوى من " الإبداعية " يؤهلها
للتفاعل مع الواقع والعصر ، سواء تحقق ذلك من خلال استلهام التراث ، أو تجريب
تقنيات جديدة . ولا مشاحة في أن المادة الحكائية أوالتقنية التجريبية ليست هي التي
تحقق للرواية وحدها طابعها "الروائي " أو" السردي" في بعديه
التأصيلي أو التجريبي . إن لصناعة الكاتب وقدرته الفنية على الإبلاغ والإمتاع ،
دورهما الأساسي في إضفاء الطابع الفني والجمالي على العمل الروائي أو الأدبي .
انطلاقا من هذه الرؤية ،
نرمي إلى تجاوز التصنيفات الجاهزة ، ونعانق جمالية الرواية لنكشف عن مكامنها
ومميزاتها ، وما يجعل منه جديرة بأن تكون رواية فعلا ، تسهم في إثراء المجال
الأدبي العربي ، وتنفتح على قضايا الإنسان والمجتمع العربيين بناء على ما تزخر به من مقومات جمالية
وتعبيرية . وفي هذا المضمار أبادر إلى القول بأن رواية " عرس الزين "
(1) للطيب صالح تتوفر على جانب أساسي من هذه المقومات وعلينا أن نضطلع بالبحث
والكشف عنها من خلال الاشتغال ببعض عناصرها الدالة على ذلك .
1 . 2 .
واقع أم تراث ؟
على غرار التصنيفات الثنائية
، ومن ذيولها يسود الاعتقاد بأن الرواية حين تعانق التراث تكون بذلك تساهم في
التأصيل لأنها تبتعد عن الحاضر ، وتنغمس في الماضي أو التاريخ . ويظهر ذلك بجلاء
من خلال استعمال اللغات العتيقة وأساليب الحكي التقليدي أو بواسطة توظيف المادة التاريخية أو تقنيات
مستمدة من أجناس الكلام العربي القديم . وكل الروايات المعالجة في نطاق "
التأصيل " والتراث تتوفر على بعض هذه السمات التي تظهر بصورة أو بأخرى . وتعتبر الرواية تجريبية أو "
تغريبية " حين توظف عوالم تتصل
بالعصر الحاضر ( هنا ـ الآن ) وبلغات جديدة ، وتقنيات حديثة .
إننا بحسب هذا التصور ،
لانميز بين التراث كواقع ، والتراث كمفهوم ، والواقع باعتباره مفهوما وتجربة في آن
واحد . وعدم التمييز هذا يجعلنا نضع حدا زمانيا فاصلا يغدو بمقتضاه ماهو "تراث " منتهيا ، ومتصلا بالماضي
، وما هو واقع ما يزال قيد الوقوع . ولا ننظر في الزمان بصفته امتدادا يتداخل فيه
الماضي السحيق بالحاضر والمستقبل . ومرد هيمنة هذا التصور يؤوب في تقديري إلى
ارتهاننا إلى رؤية خاصة تتصل بالرواية من حيث نشأتها في تاريخنا الحديث .
لكننا عندما نتأمل النصوص
الروائية ، وهنا نحن أمام "عرس الزين" ، نجد أنفسنا أمام رواية تحطم هذا
الاعتقاد الزماني : فهي تقدم لنا " الواقع " المعيش من خلال قرية
سودانية ، والآن ( العصر الحديث ) باعتبار صلاتهما بما هو " تراثي "
وعلى أصعدة شتى ، سنتوقف عندها ، بحيث تدفعنا إلى التساؤل في نهاية التحليل : ما
هي حدود الواقع ؟ وما هي حدود التراث ؟ وما هي حدود " التأصيل " الروائي
؟ وماهي حدود التجريب على صعيد الكتابة ؟
1 . 3 .
الرواية والاختلاف :
الرواية نوع سردي يقوم على
الاختلاف مع الأنواع السردية العتيقة ، وله قدرة على استيعاب مختلف الأجناس
والأنواع وتحويلها . وهنا مكمن إنتاجيتها كي لا أقول "حداثتها". إنها
منفتحة على الزمان وعلى الإبداع . هذا الانفتاح هو مصدر فنيتها وإبداعيتها ، سواء
تحقق ذلك من خلال معالجتها الحدث في التاريخ السحيق أو في الواقع المعيش ، أو
المستقبل الممكن أو المتخيل . لذلك عندما نعتمد البعد الفني أساسا للتحليل ، نكون
نسعى إلى تجاوز التصنيفات المسبقة التي تتحدث عن " التأصيل " أو
"التحديث " بناء على علاقة القصة بالخطاب في الرواية فقط ، دون اعتبار
علاقة الخطاب بالقصة . وتبين لنا "عرس الزين" باعتبارها رواية كيف يتحقق
الاختلاف من خلال استيعابها أنواعا قديمة ، وتفاعلها معها عبر تحويلها وهي تجري
أمامنا في الواقع .
2 . 1
. الخبر والأثر :
يستيقظ مجتمع الرواية على
خبر . الخبر بسيط بالنسبة إلينا نحن القراء ، لأننا خارج " مجتمع "
الرواية . لكننا بالتدريج ، أي كلما انخرطنا في عملية القراءة ، ندخل هذا المجتمع
، ونحقق نوعا من التماهي معه ، فتبدو للخبر طبيعة خاصة بالنسبة إلينا نحن كذلك .
مفاد هذا الخبر : "
الزين يتزوج " . وتأتي الرواية بكاملها لتفسير هذا الخبر وتحليله ووضعه في
سياقه . وبكل ذلك يتأتى لنا نحن القراء دخول عالم الرواية ، وفهم طبيعة هذا الخبر
و" سره " . كما أن العنوان يجسد لنا الخبر ذاته : " عرس الزين " . إن مادة الرواية
الحكائية بهذا التحديد تتمحور حول فعل "الزواج "، وفاعل " العريس /
الزين " . ويمكننا تبعا لذلك أن نختزل الرواية بكاملها إلى مبتدأ وخبر على
النحو التالي : " الزين يتزوج
" .
خبر عادي ، كما نلاحظ . إنه
طبيعي وعادي ، وواقعي . لكن نسبة الزواج إلى " الزين " يجعلنا نتساءل عن
أسباب كون هذا الزواج يكتسب بعدا خبريا . ويتحول من فعل عادي وطبيعي إلى فعل
"عجيب ". وطابع العجب
الذي اتسم به الخبر هو الذي أضفى عليه "الخبرية " ، وجعله قابلا
لـ" التداول " والتلقي . وهو في تداوله وتلقيه أحدث أثرا في متداوليه ومتلقيه على السواء ، داخل مجتمع عالم الرواية .
الخبر إذن نوع سردي بسيط
يتمحور حول " فعل " مركزي ، ويقبل التداول لأثر يحدثه في المتلقي .
2 . 2 .
الخبر :
نفتح الرواية على خبر
يتحقق من خلال الملفوظات الثلاثة التالية :
1
. " سمعت الخبر ؟ الزين مو داير يعرَس " . ( ص . 5 ) قالتها حليمة بائعة
اللبن لآمنة .
2
. " الزين ماش يعقدو له بعد باكر " .( ص .6 ) يقولها التلميذ لناظر المدرسة .
3.
" ... اقعد انحكيلك حكاية عرس الزين " ( ص. 6 ) . يقولها التاجر علي
لعبد الصمد .
هذه الملفوظات الثلاثة تأتي
من ثلاثة أصوات مختلفة ( امرأة ـ تلميذ ـ رجل ) ، وفي ثلاثة أزمنة متباينة ( قبيل
شروق الشمس ـ الصباح ـ الضحى ) ، وفي ثلاثة سياقات تختلف فيها العلاقة وتتوتر بين
راوي الخبر ومتلقيه :
ا.
حليمة بائعة اللبن تريد أن تغش آمنة .
ب.
التلميذ الطريفي يأتي متأخرا عن حصة الدرس .
ج.
علي لايريد أداء ما عليه من دين ، ويماطل عبد الصمد .
إن كل واحد من هؤلاء الرواة
الثلاثة ، يوظف " الخبر " للتأثير على متلقيه ، والتدليس عليه لتحقيق
غاية خاصة ، وهو متيقن من حصولها لخصوصية الخبر ، وطبيعته الخاصة. وفعلا ما أن سمع
المتلقون الثلاثة الخبر حتى ظهر الأثر :
1.
" وكاد الوعاء يسقط من يدي آمنة " ص . 5.
2.
" وسقط حنك الناظر من الدهشة " ص . 6 .
3
. " وجلس عبد الصمد ووضع يديه على رأسه ، وظل صامتا " ص .7 .
نعاين بجلاء من خلال
التعابير الموظفة لرصد ردود أفعال المتلقين أمام خبر " غير عادي " في
حياة القرية : فالوعاء يكاد يسقط ،
والحنك يسقط ، ويصاب عبد الصمد بالذهول ، فيظل صامتا . يولد الخبر العجيب
الأثر العجيب داخل عالم الرواية . ويدفعنا هذا الأثر ، وذاك الخبر ، نحن القراء
إلى التساؤل عن مكمن " العجب " وموئله في هذا الخبر ، وعن طابعه الخبري
الذي يتميز به ، والبحث عن الجواب عنه من خلال عملية القراءة .
تأتي رواية عرس الزين
بكاملها لتكشف لنا عن هذه الخبرية ، وهي تحقق من خلالها سرديتها وروائيتها .
ويمكننا معاينة ذلك من خلال المشاهد الثلاثة التي تم عبرها ترهين الخبر . ويفرض
علينا هذا الوقوف على طبيعتها ، وخصوصيتها في عملية بناء النص على النحو التالي :
1.
من حيث المفارقة الزمنية : نجد
الرواية تنفتح على " استباق "
، وذلك على اعتبار أن حدث العرس هو
ما تختتم به الرواية .
2
. من حيث التواتر : نحن أمام " التكراري
" ، لأن الحدث الواحد قدم إلينا ثلاث مرات ، ومن خلال ثلاثة
أصوات مختلفة .
3
. من حيث المدة : يقدم إلينا "
الخبر " من خلال " المشهد
" الذي يتوازى فيه زمن القصة وزمن الخطاب .
إن اجتماع الاستباق
والتكراري والمشهد يوحي إلينا نحن القراء ، أننا أمام خبر غير عادي . وذلك بناء
على أن الاستباق يبين لنا قيمة
الحدث أو الخبر الذي دشن به
السرد ، لأن كل ما سيأتي يبنى عليه . وأن التكراري يكشف لنا عن الطبيعة الخاصة
للحدث ، ولذلك استرعى الاهتمام أكثر ، وكان له أكثر من راو ، وطريقة في الأداء .
وأخيرا يبرز لنا المشهد أن مختلف أطراف مجتمع الرواية ( الشخصيات من مختلف الفئات
، وسواء كانت تمارس السرد أو تتلقاه تنفعل بالحدث ) تمحضه القيمة نفسها .
كل هذه الاعتبارات تجعلنا
نرى " الخبر " نواة السرد
، ومولِّده في آن واحد . لذلك فإننا على صعيد بناء الرواية ما أن نتجاوز هذه
المشاهد الثلاثة ( التي نعتبرها مجتمعة بمثابة مطلع الرواية ) حتى تشرع الوحدات
السردية اللاحقة في تحليل الخبر وإضاءته عبر إعادة ترتيب الزمن ، ويظهر لنا ذلك
بجلاء في قول الراوي : " ولما انتصف النهار كان الخبر على فم كل واحد "
. ( ص . 11 )
يولد الخبر "العجيب
" الأثر " العجيب " في مجتمع الرواية ، ويدفعنا هذا نحن القراء إلى
التساؤل عن سر "العجب" في هذا الخبر ؟ وذلك ما تضطلع الرواية بالجواب
عنه ، ومن خلاله تعمل على إدماج القارئ في النص الروائي .
بما أن الخبر جاء على شكل
استباق ، فإن الدخو ل إلى عالم النص ، يتحقق أولا بوضع شخصية " الزين "
وقت انتشار الخبر في القرية بكاملها ( منتصف النهار ) قرب البئر يملأ أوعية النساء
، وهو يضحك معهن بطريقته الخاصة ، والأطفال يتصارخون من حواليه "الزين عرس
،،،" وهو يطاردهم ، ويرميهم بالحجارة ، والكل يضحك ويصرخ ، لكن ضحكة الزين
كانت تعلو فوق ضحك الجميع ، تلك " الضحكة التي أصبحت جزءا من البلد منذ أن
ولد الزين " ( ص . 11 ) .
في منتصف النهار ، يصل الخبر
الجميع ، ويواجه به الزين ، وكان " الضحك " سائدا مجتمع القرية . وبعد
هذا المشهد ينتقل بنا الراوي ، على إثر إشارته إلى " الضحكة" المتميزة
للزين إلى ميلاده العجيب ، وإلى
الوقوف على صفاته الخارجية ، وموقعه داخل البلد ، ومجموعة من الأفعال التي وقعت له
إلى حين إعلان " زواجه " التي كان مثار حديث الشخصيات وتعليقاتها
وتأويلاتها .
يتم توسيع الخبر باتباع
استراتيجيتين اثنتين ، تركز أولاهما على موضوع " العجب " المتصل
بالشخصية المحور ، وثانيتهما على أسباب حدوث الأثر في شخصيات عالم القرية ، وهو ما
سنتوقف عنده من خلال النقطتين معا .
3 . 1 .
الشخصية العجيبة :
يتصل الخبر الذي اعتبرناه
موئل السرد ب" الزين " الشخصية المحورية في الرواية . إنه مختلف عن باقي
الشخصيات ، ولو كان الزواج لشخصية أخرى في البلد ، لما كان له كل الأثر الذي خلفه
. ينبري الراوي لتجسيد خصوصية هذه الشخصية انطلاقا من ميلادها إذ هي على غرار
الشخصيات العجيبة ذات ميلاد عجيب .
أول مظهر للعجب الذي يتميز
به عن غيره من الأطفال ساعة الميلاد هو الضحك:"يولد الأطفال فيستقبلون الحياة
بالصريخ ،،، ولكن يروى أن الزين ، والعهدة على
أمه والنساء اللائي حضرن ولادتها ، أول مامس الأرض ، انفجر ضاحكا . وظل هكذا طول
حياته ،،، ". (ص . 15 ) .
ثاني مظهر للعجب أنه "
كبر وليس في فمه غير سنين ، واحدة في فكه الأعلى ، والأخرى في فكه الأسفل " (
ص .15 ) . ويتوسع الراوي في تقديم أوصافه الخارجية مشفوعة بتشبيهات تتصل بعالم
الحيوان : حواجب ولا أجفان ، عنق طويل كالزرافة ، ذراعان طويلتان كذراعي القرد ،
ساقان رقيقتان طويلتان كساقي الكركي ، الضحك الغريب الذي يشبه نهيق الحمار ،،،
هذان المظهران المتصلان
بالعجب يجعلانه فريدا ومتميزا عن الجميع ، بحيث كان "موضوعا " للحكي منذ
ولادته : الضحك الذي واجه به العالم كما ترويه أمه والنساء اللواتي حضرن فترة
ولادته ، وفقدانه الأسنان البيضاء هو كذلك مما ترويه أمه عندما كان في السادسة من
عمره ، ومرورها وهو صحبتها بخربة يشاع أنها مسكونة قبيل المغرب ، وكيف تسمر الزين فجأة " مكانه وأخذ
يرتجف كمن به حمى ، ثم صرخ ، وبعدها لزم الفراش ، ولما قام من مرضه كانت أسنانه
جميعا قد سقطت ،،، " ( ص. 15 ) .
إننا أمام شخصية تنهض على
تنافر الأضداد : قبح ظاهر وضحك نادر . وكل ما يتصل بسلوكه وأفعاله هو وليد شخصيته المتميزة
المائلة إلى الهبل : شخصية غير عادية ، تفنن الراوي في جعلها قطب رحى البلد ، فإذا
هي عفوية ، وبسيطة وساذجة ، يتخذها البعض موضوعا للهزء ، والتندر ، ويراها البعض
الآخر وليا من أولياء الله .
شخصية بهذه المواصفات
لايمكن أن تتزوج أبدا ، ولاسيما عندما نعرف أن الفتاة التي يتزوج من عائلة ذات
موقع متميز في البلدة . إنها " نعمة " التي يتهافت عليها الجميع . وعندما يشاع أنها قبلت الزواج منه ،
فلا يمكن لذلك إلا أن يكون حدثا استثنائيا في حياة البلدة ، بل إن العام الذي
يتزوج فيه " الزين " سيصبح في تاريخ القرية معروفا ب " عام العجائب
".ألم يصرخ ناظر المدرسة ، وهو متوجه إلى دكان الشيخ علي وعنده عبد الصمد
قائلا قبل أن يصل إليهما : "شيخ علي ، حاج عبد الصمد ، السنة دي سنة العجايب
دا كلام إيه دا ؟ ". ( ص.88) .
إن بناء شخصية " الزين
" من خلال تجسيد عناصرها الفيزيولوجية والذهنية تجعلنا فعلا أمام شخصية غير
عادية ، ولا طبيعية بمقارنتها مع باقي الشخصيات . ويبين لنا هذا الملمح لماذا كانت
للخبر كل الآثار التي لمسناها في مطلع الرواية من خلال الاستباق .
3 . 2 .
أثر الخبر :
تتطور أحداث الرواية متخذة
من شخصية " الزين " محورا مركزيا . وفي هذا التطور يتوسع الخبر عبر
استدعاء كل واحد من المشاهد الثلاثة . ومن خلال هذا التوسيع يتم تفسير دواعي حصول
الأثر في الشخصيات من جهة ، وإبراز العلاقات التي تربط بين مختلف الشخصيات في
الرواية من جهة ثانية ، وأخيرا يتم الكشف عن خصوصياتها وطبائعها .
3
. 2 . 1 . آمنة ، وبائعة اللبن : ينتقل بنا الراوي في الصفحة 41 إلى المشهد الأول
بين حليمة بائعة اللبن وآمنة ليكشف لنا سر حصول الأثر في آمنة وأسبابه . قبل شهرين
من شيوع الخبر ، كانت بين آمنة وسعدية أم نعمة قطيعة بسبب موت أم آمنة ، ولم تأت
سعدية لتعزيتها ، أنها كانت مريضة في المستشفى . وعندما خرجت منه لم تذهب آمنة
للاستفسار عن صحتها ، لأنها لم تعزها . لكن بعد مدة ذهبت آمنة إليها لتطلب يد
اينتها "نعمة " لابنها أحمد . وكان الجواب هو الرفض " والآن
يزوجونها للزين . هذا الرجل الهبيل الغشيم . يزوجونها للزين دون
سائر الناس ... " (ص .43 )
.
إن الأثر الذي أحدثه الخبر
في آمنة جاء مشفوعا بالغضب بسبب كون أهل العروس رفضوا تزويجها لابنها أحمد ، لذلك
" شعرت آمنة كأن في الأمر إساءة موجهة إليها شخصيا ، عن عمد " ( ص . 43)
. هذا الغضب أحست به بائعة اللبن ، فحسبت آمنة قد أدركت أنها غشتها ، فزادتها
قليلا لتأخذ بخاطرها .
3
. 2 . 2 . نجد الأمر نفسه مع ما رأيناه في المشهدين الثاني والثالث . فمن الصفحة
87 إلى الصفحة 95 يضعنا الراوي أمام الناظر والشيخ علي وعبد الصمد . حين سمع الناظر بخبر زواج الزين من
التلميذ الطريفي نسي أن التلميذ جاء متأخرا ، وعليه أن يعاقبه . ولم يمكث إلا برهة في القسم ، وطلب من التلاميذ
مراجعة درس الجغرافيا ، وخرج من القسم مسرعا ، وتوجه نحو دكان الشيخ علي . بواسطة
الخبر نجا لطريفي من العقاب ، ونجا التلاميذ من درس الجغرافيا . تماما كما نجح
الشيخ علي في عدم ماعليه من دين لعبد الصمد الذي جاءه ليخلص منه دينه بالخير أو
بالشر .
لكن الحديث عن " زواج
" الزين أنسى عبد الصمد تخليص ماله من الشيخ علي . ونتبين من العرض غير
المباشر الذي جرى بين الثلاثة حول الزواج أن الناظر كان قد فكر ذات مرة في خطبة
" نعمة " من أبيها ، لكنه رده لفارق السن بينهما ، ووعده ألا يذكر ما
جرى بينهما . لكن الناظر " لما سمع
بأنها ستزف للزين دون سائر الناس
أحس الخنجر ينغرس أكثر في قلبه " . ( ص. 92 ) .
لايختلف موقف الناظر عن موقف
آمنة ، فكلاهما يرى أن زواج الزين من نعمة هو موقف شخصي من كل واحد منهما . لكن
المسألة لاتتعلق فقط بالرفض ، وتزويج نعمة ، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه على كل
واحد منهما ، هو لماذا الزين بالضبط ؟ ونلاحظ ذلك بجلاء في " تعجب " كل
من آمنة والناظر ، وتساؤلهما " لماذا الزين دون سائر الناس ؟ " . هذا
التساؤل يؤكد لنا الطابع الخاص الذي تتميز به هذه الشخصية في عالم الرواية .
إن توسيع الخبر لايظهر لنا
فقط من خلال " عجائبية " الشخصية ، أو تفسير الأسباب الكامنة وراء الأثر
الذي أحدثه الخبر في مجتمع الرواية ، ولكنه علاوة على ذلك ، يكشف لنا عن عوالم
شخصيات الرواية ، وما تعرفه من اصطفافات ( معسكر العقلاء / فريق الشبان/ فريق
محجوب ،،، ) وتقاطبات ( التحولات
الطارئة على مجتمع القرية من خلال ما يجري فيها ) ، ومجمل العلاقات العامة والخاصة
التي تربط أو تفصل بينها . وهذا الكشف له صلة وثيقة ببناء " شخصية الزين
" وموقعها داخل مجتمع الرواية لأن " الزين كان فريقا بذاته " ( ص .
100 ) .
4 . القسم / التنبؤ :
إذا كان توسيع الخبر قد تم
من خلال استراتيجيتين تتصلان به ، وتفسران طبيعة الشخصية المحورية ، وعلاقات
الشخصيات بعضها ببعض ، وموقفها من الزين ، فإننا نجد أنفسنا أمام ما يسمح لنا بالحديث عن " تشعب
" الخبر من خلال
توظيف أسلوبين لايختلفان معا عن الخبر في حد ذاته باعتباره نوعا سرديا ولكنهما
يساهمان معه في تشكيل عالم الرواية وتأثيثه وبنائه . هذان الأسلوبان هما :
4 . 1 .
القسم :
توظف الرواية إلى جانب الخبر
القسم متصلا بالزواج ، مباشرة بعد وصف الزين . ذلك أن الزين كان في مجلس يحكي
للحاضرين عن إحدى مغامراته في الحفلات التي يحضرها بقصد الحصول على الطعام ، ولكي
يؤكد لهم حكيه ، قال :" علي بالطلاق آزول الريحة سكرتني " . ( ص . 19 )
إن القسم بالطلاق جزء أساسي من بنية الكلام ، وقد يستعمله المتكلم لتأكيد كلامه ،
لكن عبد الحفيظ اعترض على حلف الزين بالطلاق ، مبينا أن الزين لن يتزوج أبدا من خلال قوله : " وضحك
عبد الحفيظ : " وين المره البطلقها مع الرجال ؟ " لم يعبأ الزين بهذا ،
ولكنه استمر يحكي في القصة ،،، "
( ص . 19 ) .
إن عبد الحفيظ حين يقاطع
الزين بعد سماعه قسمه بالطلاق يؤكد
لنا نحن القراء الصورة التي بدأت تتشكل لدينا بصدد الخبر ، ونحن
نتساءل عن إمكانية تحققه أو أسباب الأثر التي خلفها ، بعد أن عاينا ما أحدثه في الشخصيات الثلاث في مطلع الرواية . إن موقف عبد الحفيظ
يعكس لنا بدوره خصوصية الزين وإجماع الناس بصدده ، وأنه لايمكن أن يتزوج أبدا .
لكن تطور الأحداث ، وحصول
الزواج في نهاية الرواية ، يضعنا أمام تحويل الرؤية الأولى التي تشكلت لدينا عن
الزين . وفي حفل العرس ، كان الزين يقف بنفسه ليحث الناس على الأكل "،،، يبتسم ويضحك ، يدخل بين الناس ، يهز
بالسوط ، ويقفز في الهواء،،، ويحث هذا على الأكل ، ويحلف على هذا الطلاق أن يشرب " . ( ص. 121) . يذكرنا هذا القسم بما رأيناه في بداية
الرواية ، لكن القسم الآن صار له معنى كما يبدو لنا ذلك من خلال تعليق محجوب على
كلام الزين " وقال له محجوب :
" دحين أصبحت بني آدم . حلفتك بالطلاق يادوب أصبح ليها معنى " . ( ص .
121 ) . واضح الفرق بين الصيغة الأخيرة ، والأولى . فالآن صار الزين " إنسانا
" بتحقق فعل الزواج وأن حلفه بالطلاق صار له معنى ، أما قبل ذلك ، فلم يكن
سوى لغو .
4 . 2 . التنبؤ :
إذا كان " القسم
" بالطلاق هو ملفوظ الشخصية
الذي يثير السخرية والضحك في بداية النص ، لأن الزين لايمكن أن يتزوج ، كما كان
ذلك في وعي الشخصيات ، فإن "التنبؤ " ملفوظ شخصية الحنين الشيخ الناسك في
القرية . وهذاا الملفوظ له طابع سحري ، ويأتي من شخصية " عجائبية " ،
لأنه كما يرى محجوب بصدد أقوال
الحنين "نبوءات هؤلاء النساك لاتذهب هدرا " ( ص . 67 ) .
بعد الشجار الذي وقع بين
الزين وسيف الدين بسبب أخت سيف الدين ليلة عرسها ، وكاد الزين أن يقتل سيف الدين ، جاء الحنين ليوقف الزين وهو
ممسك برقبة سيف الدين ، وقال له " باكر تعرس أحسن
بت في البلد دي . وأحس محجوب بخفقة خفية في قلبه . كان فيه رهبة دفينة ما
لأهل الدين ،،، " ( ص . 67 ) .
تتضافر هذه النبوءة مع القسم
لتلعب دورا مهما في تشعب خبر الزين ، وتفسير العوامل المتعددة التي ساهمت في تحققه ، وتقديم مختلف
العناصر التي تجعله ممكنا ، وفي النهاية واقعا . وفعلا نلاحظ أنه إذا كانت هذه
النبوءة قد جاءت في منتصف الرواية ، فإننا نلاحظ في المجلس الذي ضم الناظر والشيخ
علي وعبد الصمد ، وهو يتحدثون عن الزين والزواج ، كيف يتدخل عبد الصمد ليقول :
" كلام الحنين ما وقع في البحر . قال له باكر تعرس أحسن بت في البلد" ( ص .89 ) . ويعلق الناظر : " أي نعم والله . أحسن بت في
البلد إطلاقا . أي جمال ! أي أدب ! أي حشمة ! ... " (ص . 89 ) .
ويتكرر المشهد بحضور الزين
في مجلس يضم محجوبا وسعيد والطاهر الرواسي ،،، وهو يتحدثون عن عرس الزين متعجبين ،
فيتدخل الزين " وقال في سرور : الحنين قال لي قدامكم كلكم : باكر تعرس
أحسن بت في البلد " .( ص . 112 ) .
إن التعبير عن كلام الحنين
من خلال التكراري له أكثر من دلالة
في توجيه الأحداث ، والهيمنة عليها . إنه يوجهها لأن النبوءة ليست فقط قولا عاديا
من شخصية عادية ، ولكنه يساهم في تشعب الحدث بجعله " مقبولا " من قبل
الشخصيات التي لايمكنها أن تعارضه أن تتدخل ضده . وسنلاحظ ذلك بجلاء في التأويلات
التي رافقت الحدث ، وما جره من أقاويل وتعليقات .
4 . 3 .
تأويلات وأقاويل :
لقد وظفت لتقديم المادة الحكائية
في رواية عرس الزين أنواع ثلاثة هي :
4
. 3 . 1 . الخبر : الذي قد جاء عن
طريق الاستباق ، وتم توسيعه من خلال
الذهاب إلى "الحكي الأول
" المتصل بميلاد الشخصية العجيبة ، وبدأت الأحداث تتطور ، وتتشعب من خلال
توظيف :
4
.3 .2 . القسم : وهو نوع كلامي وظفه الروائي ليضعنا أمام احتمالين : إمكان نفاذ
وتحقق الزواج أو عدمه .
4
.3 . 3 . التنبؤ : وهو كذلك نوع كلامي لا يمكن أن يصدر إلا عن شخصية لها
خصوصيتها.
وإذا كانت الرواية قد افتتحت
باستباق ( الخبر ) ، فإن النوعين
الآخرين ( القسم / التنبؤ ) تم توظيفهما في منتصف الرواية ، ليتم تحققهما في
النهاية . وبذلك تتضافر هذه الأنواع الثلاثة ، وتتكامل لتشكيل عالم الرواية ،
وتضمن تلاحم بنيتها الحكائية وانسجامها.
إننا كما رأينا "
التكراري " يبرز لنا بجلاء من خلال الأنواع التي ألمحنا إليها وهي تقدم لنا
" الحدث " المحوري ، أو من خلال توسيعه أو تشعبه ، نجده باديا كذلك في
نهاية الرواية ، وقد وصلنا إلى الحدث نفسه ( الزواج ، وقد أخذ موقعه ضمن
الترتيب إذ به تكتمل دورة الرواية )
، لكن هذه المرة ليس من خلال الإعلان عن الخبر ، ولكن من خلال تأويلاته ، وما
رافقه من أقاويل في مجتمع الرواية ، وبالأخص من خلال الأصوات التي من خلالها وصل
الخبر :
" اختلفت الأقاويل .
قالت حليمة بائعة اللبن لآمنة ، وكأنها تغيظها ،،، إن نعمة رأت الحنين في منامها ،
فقال لها : عرسي الزين . اللي تعرس الزين ما بتندم ،،،
وزعم
الطريفي لزملائه أن نعمة وجدت الزين في يحشد من النساء ،،، فحدجتهن بنظرة صارمة
وقالت لهن : باكر كلكن تأكلن وتشربن في عرسه ،،،
وروى
عبد الصمد للناس في السوق أن الزين هو الذي طلب الزواج من نعمة ،،، إلا أن المرجح أن الذي حدث غير هذا ، وأن نعمة ،
بما فيها من عناد ، وربما بوازع الشفقة على الزين ، أو تحت تأثير القيام بتضحية ،
قررت أن تتزوج الزين ،،،( ص . 116 ـ117)
هذه التأويلات المتعددة التي
تقدمها لنا الرواية تأتي على شكل
أقاويل لايمكن إلا أن نشك في صحتها أو ملاءمتها لما تقدمه لنا لرواية من إمكانات
ومعطيات . فحليمة بائعة اللبن لاتسوق ( تروي ) الخبر إلا بقصد مركزي : إغاظة آمنة
. ولذلك فإنها تذهب إلى اختلاق سبب
وجيه يقضي بالزواج بين الزين ونعمة بإعطائه بعدا عجائبيا ( حلم نعمة بالحنين ) .
وعلينا ألا ننسى في هذا السياق " التنبؤ " الذي جاء على لسان الحنين .
إن حليمة تستثمره بذكاء مركزة على بعده القابل للتحقيق ، فهو الكلام الذي لايرد .
أما الطريفي ( التلميذ )
فيجعل الزواج جاء بإرادة " نعمة " لما رأت الزين وسط النساء وهن يضحكن
منه . إنه التحدي الذي تمارسه نعمة حيال قريناتها . أما عبد الصمد فيجعل أمر طلب الزواج
جاء بناء على رغبة الزين ، فهو الذي أقدم
على ذلك بتوجيه من "كلام " الحنين الذي يعتقد فيه ، وسبق أن بينا
استشهاد الزين بكلام الحنين .
تتعدد هذه التأويلات (
الأقاويل ) وتختلف باختلاف أصوات الرواية . تركز حليمة على نعمة من خلال حلمها
بالحنين ، والطريفي كذلك ينطلق من
نعمة تبعا للمشهد الذي عاينته هذه الأخيرة ، بينما يركز عبد الصمد على الزين . هذه
الاختلافات في تأويل "الخبر" ترتبط بجلاء باختلاف طريقة تقديم الخبر من قبل الأصوات التي وقفنا
عليها .
لكن الراوي له وجهة نظر خاصة
بصدد هذه التأويلات ، فهو يستبعدها جميعا ، ويقدم لنا تأويلا آخر يراه مناسبا .
يبدو لنا ذلك بجلاء في قوله " من المرجح أن
الذي حدث غير هذا " . إن الصيغة بينة في الكشف عن التأويلات المقدمة ومدى
مجانبتها للصواب ، لذلك يقترح علينا تأويلا مغايرا " إن نعمة بما فيها من
عناد ، وربما بوازع الشفقة على الزين ، أو تحت تأثير القيام بتضحية ، قررت أن
تتزوج الزين " ( ص . 117) . يركز الراوي على البعد النفسي ل" نعمة
" وما تتميز به من عناد ، ويفسر ذلك بتشديده على " ربما " من خلال
الإيحاء إلى شفقة نعمة على الزين ، ورغبتها في التضحية .
يلتقي التأويل الذي يقدمه
لنا الرواي مع ما نجده عند التلميذ الطريفي من خلال تركيزه على " رغبة "
نعمة في الزواج من الزين . لكن الراوي يعطيها أبعادا أكثر وضوحا ، مادام التلميذ
يبرزها لنا من خلال " المشهد "
الذي جمع النساء بالزين ، وهن يضحكن
منه . إنه موقف لايمكنه إلا أن يثير الشفقة ، ولاسيما إذا عرفنا أن نعمة بنت عم
الزين .
هذا الترجيح الذي يقدمه
الراوي نجد ما يعضده و يفسره في بداية الرواية عندما انبرى لتقديم صورة عن شخصية " نعمة " من
خلال تركيزه على عنادها ، ورغبتها في التميز . فهي في طفولتها أرغمت أباها على
دخولها الكتاب لتتعلم القرآن ، وهي عندما كانت تقرأ القرآن
الكريم كانت تشعر بنشوة عظيمة ، ولاسيما " حين تصل إلى الآية : " وأتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من
عندنا " وتتخيل رحمة امرأة رائعة الحسن ، متفانية في خدمة زوجها ، وتتمنى لو
أن أهلها سموها رحمة . كانت تحلم بتضحية عظيمة لاتدري نوعها . تضحية ضخمة تؤديها
في يوم من الأيام " ( ص .52 ) .
كانت نعمة تتمنى لو كانت
" رحمة " زوجة أيوب ، ولو سماها أهلها رحمة ، لأنها "منذورة "
لتقديم تضحية عظيمة . لذلك فإن رغبتها التي تكونت عندها منذ طفولتها ، صارت بمثابة
" التنبؤ " أو " الحلم " الذي ظل مسيطرا عليها منذ زمان . وهي
حين كانت تضع صورة عن فارس أحلامها ، لم تكن تفكر كثيرا فيه ، وكأنها قد حسمت
الأمر مع نفسها منذ اكتشافها الزين
. إن الزين في وضعه الاجتماعي لايختلف كثيرا عن " أيوب " فهو عرضة للهزء
والسخرية من الغير ، ومدعاة للرحمة
والشفقة من نعمة . ولنا أن نتذكر هنا المشهد الذي يرويه التلميذ الطريفي عن نعمة ،
وهي تخاطب النسوة اللواتي كن يضحكن من الزين .
إن التأويلات أو الأقاويل
لاتختلف من حيث الجوهر ، حتى وإن رجح الراوي واحدا منها على غيره . إن دلالتها
واحدة وتبرز في كون " نعمة
" منذورة للزين ، سواء جاء ذلك بناء على رعبتها في التحدي ، أو الشفقة ، أو
استجابة للحلم الذي رأت فيه الحنين .
ينجح الطيب صالح في بناء رواية عرس الزين على
" الخبر " . ويوظف لتوسيعه وتشعبه نوعين آخرين هما " القسم "
و" التنبؤ " ، وانطلاقا من استثمار عالم القرية في جزئياته وتفاصيله ،
يقدم لنا تجربة روائية يتداخل فيها " الواقعي " ( واقع القرية السودانية
) مع " التراثي " ( من خلال العديد من العناصر الدالة عليه ) بحيث لانجد
مسافة بينهما . إن التاريخ القديم بأشكاله ومثله وقيمه ما يزال ممتدا في الحاضر .
يبرز ذلك بجلاء في كون استثمار البنيات الحكائية القديمة ( الخبر ) وأشكال تلقيه
وتأويله، ومختلف أنواع الحديث أو
القول ، وخاصة " القسم "
، وأٌقوال الزهاد ذات الطابع التنبؤي، جاءت لتصب جميعا في قالب " العجائبي " الذي تزخر
به الرواية ، وتكشف لنا عن العلاقة بين الواقع والتاريخ والتداخل الحاصل بينهما :
فالحلم ، والخربات المسكونة ، ودعوات الحنين كلها لها دور كبير في طبع عالم
الرواية ومجتمعها بالطوابع التي تؤكد ذلك التواشج الذي نلمسه في التاريخ العربي ،
وإذا هو متصل بعالم القرية . وهناك عناصر أخرى لها أكثر من دلالة في النص الروائي
، وهي تعمل مجتمعة على تأكيد ما نرمي .
إن تداخل الواقعي والتاريخي
، يجعلنا نستعيد ما قلناه في البداية عن العلاقة بين التـأصيل والتجريب ويدفعنا إلى استخلاص أن الروائي وهو
يشتغل بما يزخر به الواقع من قيم متناقضة وممتدة من التاريخ ، يمكن أن يسهم في
تـأصيل الرواية العربية دون أن تكون تجربته مستمدة من التراث السردي العربي .
فالتداخل بين الواقع والتراث ممتد في الزمان ، وهناك العديد من العناصر التي
نتعامل معها الآن بأنها من صميم التراث ما تزال تجلياتها بارزة في واقعنا . وحين
يوظفها روائي من طراز الطيب صالح ، فإنه بذلك يدفعنا إلى معاينة الحدود القائمة
بين الواقع والتاريخ ، بين الحداثة والتراث من منظور مخالف لما يشيع في الأدبيات
الرائجة ، وينبهنا إلى ضرورة التساؤل بصددها .
نجد الجواب الواضح عن
الإشكال الذي نطرح الآن كامنا في ما يسمى ب " الثقافة الشعبية "، إذ
كلما نجح الروائي في الإنصات إلى نبض الواقع وبما يمور به كان التداخل واضحا بين
التاريخي والواقعي ، وبينهما والأسطوري ، وبين مختلف الأشكال السردية التي وظفها
العربي منذ القدم للتعبير عن هواجسه وأحلامه . وحين يمسك الروائي بمختلف هذه المكونات ، تتداخل الرواية بغيرها من
الأشكال ، فيقع استثمارها على النحو الذي يضعنا أما الفعل الإبداعي الذي يظل ينهل بوعي أو بدون قصد من
الثقافة الشعبية باعتبارها ذاكرة ، أو تجسيدا ثقافيا ما يزال ينبض بالحياة .
والروائي الحقيقي هو الذي يلتفت إلى هذا الطابع الشعبي الذي ترثه الرواية بامتياز
، فإذا هي تنفتح على كل التراث،
وتتمثله ، وتستوعبه ، موظفة إياه في صور نابضة بالحياة فيتصل الزمن الماضي بالحاضر ، بشكل يجعلنا نرى
التداخل والتكامل بينهما .
هذا التوظيف الخاص للواقع في
امتداده التاريخي ، هو الذي أعطى لرواية " عرس الزين " طابعها الخاص ،
الذي يتمثل في اتصالها بالواقع ، وبالحياة الشعبية في أعمق تجلياتها ، وصورها التي
تصلها بالتاريخ وبالإنسان العربي في انتمائه الثقافي والحضاري ،
ولعل
تحليلا شاملا وأوسع للرواية قمين بجعلنا نلتفت إلى هذه الطوابع المهمة والغنية ،
والتي بدأت الرواية العربية تتعامل
معها بوعي ، وبصور عديدة تستدعي البحث والسؤال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . عرس الزين، الطيب صالح ، دار العودة ،
بيروت ، الطبعة الثالثة ، 1970.